وواضح أن النورسي من خلال الكشف عن جوانب من حياته، إنما كان يوعز للأمة قاطبة، لا سيما وهو يراها غائصة في الفاقة والخصاصة، أن تتبنى سبيل الاقتصاد والقناعة وحسن التصرف، تخفيفا لمعاناتها المعيشية المزمنة..
كما أن سلوك النورسي في هذا المجال الانفاقي، إنما كان ينهج السبيل الأوفق والأكثر انسجاما مع روح المدنية الروحية التي كان يوقن أن الاسلام يرتضيها للعباد، إذ ستطهرهم وتزكيهم وتنأى بهم عن واقع الانغماس المادي والاستهلاك الترفي الذي كانت التحفيزات المدنية الغربية تنميها في النفوس وتغرسها في القلوب..
فسياسية القصد والاقتصاد كانت تربي في النفس القدرة على صد إلحاح الشهوة، وتروض الملكات على حسن الأخذ بالضروري، وتلك مقاصد تربوية لم تكن تستهدف المجال المعاشي فحسب، بل لقد كانت رؤية تؤسس لحضارة القسط والاعتدال وحسن استخدام الموارد الطبيعية والكونية وتثميرها على حد لا ابتزاز فيه.. وهو ما يريد النورسي أن يبصم به مدنية الانبعاث الاسلامي، لتتميز عن مدنية الغرب القائمة على الاستهلاك الفاحش والابتلاع الأهوج لخيرات وثروات الشعوب المستضعفة..
لقد أدرج النورسي حديثه عن تجربة الاقتصاد في المعاش الشخصي ضمن مرامي اجتماعية كان يراها تمس فيئات الأمة ممن كان الحرمان يضيق الخناق عليها.. لذا كان يشركها في وضع الخطة التدبيرية المعاشية التي تخفف عنها من شدة الضنك والفاقة..ولم يكن في وسعه أن ينجدها بغير الإيعاز لها بالنهج الأكثر ملاءمة لحاله.. لقد أكدت الحكمة الصينية أنه بدل أن تعطي الفقير سمكة، تكرم عليه بتعليمه فن الصيد..
رفض الإنصياع إلى التخلق بأخلاق الاستيلاب والاستغراب