لقد كان تدبيره المحكم لحياته، وسداده المتقن في تسيير شؤون معاشه، مظهرا من مظاهر توفيقه وحصافته.. لقد اعتمد أسلوب التقشف في النفقة، ولم يكن ذلك الأسلوب الكفافي الذي اتبعه، ينم عن خسة في الطبع كما يقول، ولا كان خوفا من الحاجة، أو كان يتضمن شعورا رجائيا سلبيا.. ولكنه كان منهجا حياتيا يتساوق مع نظرة إيمانية كلية تتفاعل مع مسطرة القناعة والعفة على كافة الأصعدة، وخاصة منها الصعيد المعاشي، لما يتميز به جانب النفقة وتلبية مطالب النفس من حساسية ..
إذ أن تلك المطالب إذا لم تكن مكفولة بالجهد الذاتي ،فإنها ستزري لا محالة بالإنسان، بل وتهون من شأنه، وتجعله كَلاًّ بين الناس وعالة على الغير، الأمر الذي يجرده من حريته، ويعدمه عزته، وذاك ما يفقده حتى أهلية الأنخراط في سلك المعبودية الصحيحة التي هي قمة الإعتداد، لأنه يجد نفسه غير مستعصم بالله حق الاستعصام ..
لقد أيقن النورسي الذي تربى في أجواء التصوف والصوم وتربية الروح، أن ضبط نظام معيشته هو ركن تقوم عليه سياسته الروحية والحياتية كلها..
لقد كان يدرك أنه انخرط في مضمار المنازلة الروحية، من هنا كان وعيه بما للاقتصاد من أهمية ومردودية نفسية واجتماعية زيادة على الفائدة الروحية الحاسمة في كسب معركة الإيمان..
لقد أيقن أن النفس التي لا تلجمها قناعة راسخة، ولا ترتضي بنظام الكفاف، ولا تحتمل حِمْيَةً قُوتِيَةً تتهذب بها من نوازع نهمها وتوقها الذي لا يحد، هي نفس ستودي بصاحبها لا محالة، وتقعد به عن ربح الرهانات ..
لذلك حرص النورسي على أن يسلك سياسة معاشية تقوم على تلبية أدنى الحاجيات، تحريرا للنفس من قيود المطالب ..