تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كانت نوبات العزلة تحمله على التفكر في ماضيه، وعلى الاسترسال الساعات، أو الأيام، في استدعاء الذكريات .. وربما كان ذلك جزءا من تلك الحال التي تسعى فيها القناعة الإيمانية إلى أن تتطهر من شوائب تلك الأحاسيس الحميمة التي كانت تضاعف من آثارها الشيخوخة المتمادية وكرور الأيام على وتيرة رتيبة لا تفتأ تعمق من كدر الأسى في النفس، لولا اعتصام روحي كان يستجيب به النورسي –وبصورة مدهشة - لتلك الأحوال المتوترة، وذلك بعروجه القلبي إلى شحرة الإيمان كلما نشبت فيه السآمة أظافرها وألحت عليه الخواطر بالابتئاس جراء الإحساس بالخيبة أو بالإفلاس، أو ما إلى ذلك..

الإقتصاد والتعفف في النفقة وترشيد القوت

لقد فتح النورسي كتاب حياته على الأشهاد .. فهو كتاب لم يكن يحوي من ألوان المباهج ومظاهر العز الدنيوي ما يعطي لبياناته طابعا افتخاريا ويجعلها مجرد صيغة للتباهي الأخرق ..

لقد طفق يتلو علينا وقائع تلك الحياة، ليجعل منها معيارا صالحا تنبني على وفقه أو قريبا منه، المصائر ..

لقد سلك تجربة معاشية متعالية، وكان لها ضريبتها الباهظة، ولكونه أيقن أنها تجربة جديرة بأن تعاش، فلم يتردد في الكشف عن أسسها وعن حميمياتها، وعيا منه أنه مربي أجيال، ومن حق الأجيال عليه أن تتطرق إلى معرفة الجوانب التي لا يُكْشَفُ عنها عادة..

لقد كان يدرك أن سيرته تقوم على الاستثناء في التصرف وفي التدبير وفي التقدير، من هنا دأب على عرض تفاصيل تلك السيرة على القراء، دفعا لهم على خوض السبيل الذي سار هو فيه، وذاق حلاوته التي قد لا يقتنع بها إلا من ذاقها بنفسه..

ومما وجدنا النورسي يكشف عنه من جوانب حياته الشخصية مجال النفقة والاقتصاد كما جربهما ..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٤١