تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد كان النورسي في كل ضربة تطاله، وفي كل ملمة تحل به، ينحني -وبكل ثبات إيماني وإصرار إحتسابي - على الجروح يضمدها، وعلى التمزقات يرتقها، والتكسرات يجبرها، والهزات يسكن من دمدمتها، شأنه في ذلك شأن الربان المحنك، تتلاطمه هوج العواصف فلا يسعه إلا الكفاح من أجل الصمود والاستماتة في سبيل البقاء..

وطفق احتسابه يتزكى من خلال تلك الإصابات الربانية التي كان يُبتلَى فيها بفقدان الأعزاء وذوي القربى، حيث كان يعرب عن تأثر دامغ، وإحساس فاجع بالوحشة والعزلة والانبتات..

لقد كان وعيه بالموت وعي المؤمن المدرك أن الطريق يستوعبنا جميعا نحو ذلك الصعيد الذي أعدته القدرة الإلهية من خلال إضفاء نعمة الخلود لذوي الحظ ،المُنَعَّمِين.. لكن النورسي وعلى الرغم من ذلك، كان يعرب في تلك الأحوال عن حسرة مشبوبة ولواعج لاهبة.. وكانت تند عنه عواطف الكمد والإحتساب ..

لقد كانت - مثلا - فاجعته كبيرة ومحسوسة وعلى وقع بالغ حين فقد ابن أخيه عبد الرحمان الذي كان بمثابة ولده الصلب.. لقد طفق يذكره بالحنين وبمشاعر الثكل على الدوام، وكان استدعاؤه لذكراه يجسد ذلك التزاوج من الحسرة والإلتياع الذي كان النورسي يعرف كيف يرتقي به ويحوله إلى إيمان واحتساب..

وكذلك كان حاله مع مقربين آخرين فقدهم في ظروف كانت شدتها تزيد من وطأة المحنة عليه، فكان خلو المكان منهم في تلك الظروف يجعله يعيش تحت كلكل الوحدة وانعدام السند والمواسي..

لكنها حال كانت لا تبرح أن تزايله .. إذ كانت بواطنه موصوله على الداوم بالله، وكانت الملمات والعوارض النفسية الابتئاسية غالبا ما تتحول إلى مواقف للخشوع الذي ينتفض فيه القلب دفعة من مشاعر الضعف، ليعاود الاستظلال بالإيمان..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٣٩