لقد تنوعت أوجه الصبر والاحتساب لديه.. فقد رأيناه يتجاوز عما كان يناله من طعنات بعض المتقربين إليه . لقد كان يكشف أحيانا عن مواقف تحولت بأصحابها من موقع مصادقته والتقرب منه، إلى موقع مجافاته والابتعاد عنه، وكانت تتكشف له الأسباب التي وراء ذلك التحول، إذ كانت دوافعها إما الضعف وبيع الذمة إلى الشيطان، وإما الحسد وتحقيق البواعث النفسية الخسيسة ..
وطبيعي أن تجد السلطة في ذوي النفوس الضعيفة ضالتها لتسخيرهم في ذلك السبيل التضييقي، إذ يكفي التخويف أو الإغراء حتى تراهم ينساقون في طريق اللؤم والتنكر لمواقفهم، وكان النورسي بروحه الكبيرة وبإيمانه العميق وتجاربه الصميمة يتفطن إلى ذلك، فلا يسعه إلا أن يعرب عن اشفاقه على أولئك المنقلبين، لأنه كان يدرك ضعفهم، وقابليتهم الإمتحانية الهشة، فكان من ثمة يرثي لهم إذ يراهم يخسرون امتحانا كان يتطلع من أعماقه إلى أن يرى الناس أجمعين يكسبونه، امتحان الانتصار على الذات..
كما أن ما كان ينال الدعوة من ضربات ونكسات، تتمثل في الإيقاف المتواصل له ولأتباعه وطلابه، وفي اختلاق المزيد من العوائق والأسباب الضاغطة التي تزهق الحركة القرآنية وتعترض طريق اشعاعها الذي كان ينفذ ببطء – وبلا هوادة - إلى الآفاق من حوله.. كل ذلك كان يسحقه، ولا يفتأ يلقي به في دوامة الأسى والحسرة، لولا جذوة حية، متأججة من الإيمان كانت تزداد توهجا كلما اجتاحته العواصف ..
ولقد فتئ صموده الخارق، واجتيازه العجيب للمحن والملمات يهيِّج الأعداء ويفاقم من حقد المتغربين المتحالفين ضد الملة والأمة، فكانت جحافلهم لا تتردد في انزال النقمة على النورسي وأتباعه، فهي لا تكف عن ضرب الحركة والتنكيل بالأتباع في كل حين، لا سيما عندما استيقنت من توسع الرقعة النورانية المنبعثة من مشكاة القرآن التي كان تبثها - متألقة - رسائل النور ..
المصائب والملمات تزكي احتسابه الروحي