لقد كان النورسي يلزم نفسه اتباع خُلُقِيَةٍ تَجَمُّلِيَة سمحاء إزاء ما كان يناله من طعنات الأعداء.. على أن تصبّره إزاء ما ظل يصيبه منهم لم يكن يتلبس المسحة الانصياعية التي تجعل المرء يعطي خده الأيسر لمن لطمه على خده الأيمن .. بل لقد كان تصبّرا قائما على منطق تجردي إيماني خالص من جهة، وعلى تقدير سديد للظروف السياسية التي تتحكم في الواقع من حوله من جهة ثانية..
ثم إنه كان على يقين من أن الإلتفات إلى مثل تلك الإعتبارات المتعلقة بالكرامة الشخصية، من شأنه أن يشغله عما هو فيه من توجه إيماني جارف نحو الخالق، رب العالمين..
فلذلك كان يقدر أن الإهانة حين تصيبه من الغير، وتستهدفه، فإنها في الحقيقة لا تعنيه ولا تحمله تبعتها أو الرد عليها، إذ هي موكولة بالوضع القائم من حوله، وبالجهات المسؤولة عن تثبيت ذلك الوضع الذي لم يكن يتيح له أن يدافع عن نفسه، فهو من هذا الجانب معذور إن تجاهل الضربات وتغافل عن النهشات ..
والحقيقة أنه لم يكن يتقبل الظلم عن طبيعة أو جبن أو ما إلى ذلك، فقد جبل على الردود الساخنة والتحدي الصريح، ولكنه - بالرغم من ذلك الطبع المتأهب دائما للتحدي - كان يتمالك متى ما أحس أن في السكوت عن الضيم ييسر ولو خطوة على طريق إعلاء الراية، وإحياء قيم الشريعة ..
إنه بمعنى آخر لم يكن يخاف في الله لومة لائم، لذلك كان لا يسكت عن الاستفزاز والأذى، وإن هو سكت فإنما يسكته الاحتساب المبرأ من الوصمة، ومراعاة مصلحة الدعوة، وليس مخافة النكال أو القهر..