تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان يقيس سلوكه بمنظار الطهر والعفاف الكريمين.. لذلك استشنع أن يحترف السياسة التي ظلت دواعيها تلاحقه على مدى مراحل العمر .. واستفظع أن ينبري لأداء أدوار ليس وازعها الإيمان الروحي الخالص، بل الآلية الحزبية والنظرة المصلحية والحساب الدنيوي المغلوط.

وإذا كان النورسي قد نزه نفسه بهذا الاختيار الإرادي عن التردي في حضيض السياسة، فإن تنزيهه لعدة الترقي الروحي التي لاذ بها وأناط بها وجوده ،( أي القرآن العظيم )، والتأبى عن أن يقحم قدسيتها في غمار المواجهات والمهاترات السياسية، ينبغي أن يكون أقوى وآكد ..

وفضلا عن ذلك فإنه كان على وعي بما سيكون لموقفه - إن هو قارف السياسة - من انعكاس سلبي على الجمهور، إذ لا أقل من أنه كان سيجرهم وراءه إلى الخوض في السياسة والانتماء إلى جهة حزبية ما..

لقد كان تَصَوُّنُهُ عن ملابسة السياسة يحقق له غايتين اثنتين :

الغاية التعبدية التي تمرح بها روحه في أفياء الملكوت.

والغاية الكفية الترشيدية التي من شأنها أن تضمن إمساك كثير من الناس والأتباع خاصة ،عن مقارفة آثام الحزبية، وعدم تهافت أو تورط الجمهور في اللعبة السياسية اقتداءا بشيخهم.. ذلك أن انشغال الجماهير بالسياسة، والانخراط في آلياتها النظامية، لا سيما حين تغدو دفة الحكم في يد الاخسرين دينا، سيعطي الفسحة لهؤلاء من أجل المضي في المناورة والتدليس..

وعندما يمسك النورسي عن غمارها، فإنه يرغب في تعطيل طوائف من الناس لا يشاؤها أن تدخل الحلبة الشيطانية، إذ من شأن ذلك أن يكفل جوا من التنشيط يوسع على السماسرة ويروج لسلعتهم الزائفة..

لقد كان موقفه دعوة بلسان الحال إلى المقاطعة.. وإن الحكمة لتظهر الآن بالتأكيد، إذ أن تهزيل الجماهير لصفوف الأحزاب، سيدخلها – لا محالة - في دوامة الإقالات وبناء التحالفات، وما أقصره من حبل..

خلق التجمل والاحتساب

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٣٥