تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أن النورسي لم يكن معارضا عن طريق الفكر وحرية التعبير، لأن المجتمع المحكوم بالقوة – مثل المجتمع الذي عاش فيه- لم يكن يسعه أن يلتفت إلى الفكر، فهو مجتمع غير مهيأ لسماع المحاورة أو تقبل التنوير السلمي، لأنه يسير بمنطق الإلزام الذي لا مجال فيه للإرادة والاختيار الحر..

لقد كان النورسي على وعي بإمكاناته الشخصية في إقامة معارضة جماهيرية تواجه الحكم وتسمعه صوتها عاليا.. بيد أنه كان يضرب كلية عن السير في ذلك السبيل لما كان يقدر من جسيم المسؤوليات حيال ما يلحق الناس من الأذى.." إن كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه، فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد مع تركه السيجارة" (1)

لقد كان وازع الاندماج في السرمدية يلح عليه، فلذلك ما فتئ يصرح بأنه يتجافى عن ملابسة السياسة التي هي مغنم زائف ووقتي، لقاء تطلعه إلى أن يعيش الأبدية .. فالسياسة ظلت بالقياس إليه تمثل التجربة الحياتية التي تنتهك فيها إنسانية الانسان الخيرة

.. لذلك كان النورسي يحرص على أن يظل وفيا لذاته، مصون الشرف والعقيدة، لا يدنس إيمانه طمع ولا طموح تافه.. (2)

ذلك لإنه يعي دوره الاجتماعي، بوصفه عالما دينيا ملزما شرعا بتنوير الناس وخدمتهم في ما يعود عليهم بالفائدة الدائمة .. من هنا قَرَّ اختياره على أن يشرك الفئات من حوله، وبطريقة التوجيه الخالص، في ما كانت تتفتح له أبوابه في حقل الروح واليقين والاجتهاد..

(1) المكتوبات ص.77 .

(2) م.ن. ص 77 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٣٤