تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانتماء الانسان إلى حزب سياسي أو تنظيم مدني ما، من دواعيه أن يلزم الفرد بالتحرك وفق مقتضيات سياسة الحزب وتعليمات التنظيم، وكل مخالفة لها تتسجل على المعني ويدفع ثمنها.. وإذا علمنا أن الأحزاب تقيم برامجها على خطط منفعية بحتة، تراعي منظور القادة والكتل المتنفذة، وهو منظور -أساسا - براغماتي دنيوي، لا تهمه مسائل الأخلاق أو الشرع إلا ظاهرا ولمقاصد تكتيكية استهلاكية ، الأمر الذي يتعارض تماما مع الاستقامة وصحة العقيدة.. أدركنا سر نفور النورسي من احتراف السياسة، بعد أن جرب السير في طريقها تلك الفترة التي تخللت الحرب وأعقبتها..

لقد كانت تجربته السياسية تلك بحق رافدا تعليميا مكّنه من الاطلاع على ما يعتمل خلف الستارة .. لقد فَقِهَ لعبة الكواليس رغم كونه ظل يعاين الوقائع عن بعد، ممسكا عن الانغماس في الوحل..

إن الأخذ بمبدإ عدم الانتماء الحزبي الذي اتبعه النورسي كان موقفا راسخا ومنسجما مع الاتجاه الروحي والفكري الذي كان ينخرط فيه وينزع إليه منذ الصغر ..

ولقد تزكى ذلك الانتساب الحر إلى عالم السياسة لأن صاحبه لم يكن تابعا للدولة بأي شكل من الأشكال التبعية، فهو ليس موظفا عندها ولا يرتبط بمرافقها العمومية.. وهو إلى ذلك غير منتسب للمعارضة، لأن المعارضة الحق - كما يعتقد النورسي - تجسدها القوة، وتلك وسيلة لا سبيل إليها، باعتبارها من شأن الدولة نفسها، لأن الدولة هي منظومة مؤسسات عمومية تقوم على فرض إرادتها وإقامة آلياتها عن طريق السلطة البكماء، سلطة العسكر ..

من هنا يتعذر على أي معارض - كما ظل النورسي يؤمن - أن يتطلع إلى تحقيق مطمح اعتراضي، سافر، ومباشر، لا توافق عليه الجهة الحاكمة التي احتازت القوة والنفوذ واستأثرت بالقرار في كل الميادين..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١١٣٣