فإن أوربا – في عصورها الوسطى المظلمة – كانت واقعة في الجهالة العلمية التي حرص عليها حكام شعوبها كما حرصت عليها الكنيسة ليظل سلطانها الرهيب قائماً في قلوب الناس وأرواحهم ، وكانت واقعة تحت وطأة الإقطاع ، ممزقة لا رباط بينها – وإن كانت كلها مسيحية – لأن السيد الإقطاعي يمثل في إقطاعيته السلطان المطلق ، فهو السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية في وقت واحد . وواقعة من جهة أخرى تحت سطوة البابوية التي تستعبد أرواح الناس وأفكارهم وتأكل جهدهم كما تأكل أموالهم بالباطل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [ التوبة : 34 ] .
وبينما أوربا في حالتها هذه التقت بالإسلام يحيط بها من كل جانب . التقت به سليماً في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها ، والتقت به حربياً في الحروب الصليبية التي استغرقت حوالي قرنين من الزمان .
ثم كان من نتيجة هذا اللقاء السلمي والحربي تلك الآثار في أوربا :
1- أخذت أوربا العلوم الإسلامية كلها ، وبصفة خاصة المنهج التجريبي في البحث العلمي وأقامت عليه نهضتها العلمية الحاضرة .
2- أخذت معنى " الأمة " التي يربطها رباط واحد وتحكمها شريعة واحدة ولكنها لم تستطع إقامتها على أساس العقيدة لفساد العقيدة عندهم وفساد القائمين عليها من الكهنوت ، فأقاموها على شكل قوميات ، هي الأساس الذي قامت عليه دول الغرب الحالية .
3- حاولت إصلاح الفساد العقدي والكنسي في حركات كالفِن ومارتن لوثر وغيرهما وإن كانت لم تحقق إلا إصلاحات جزئية في داخل الفساد الشامل ، وذلك لأنها رفضت الإسلام ابتداء وهو الطريق الوحيد للإصلاح الحقيقي .