تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمعرفة الإنسان بأن هذه المخلوقات الهائلة تطير مباشرة بأجنحتها يهز وجدانه بلا ريب ، ويجعله يحس - من خلال عجزه - بالقدرة المعجزة التي خلق الله بها الملائكة .

فإذا زاد علمه أكثر من ذلك فعرف أن الملائكة ليسوا على مرتبة واحدة من حيث عدد أجنحتهم ، فمنهم ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، فإنه يزيد تعظيماً لله الخالق الذي يزيد في الخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير .

وإذا عرف بعد ذلك كله أنها مخلوقة من النور كما روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ». (1) .(أى من الطين) فإن عجبه لا يقف عند حد. فالنور كما يراه الإنسان فى عالمه المحسوس أشعة تنطلق مستقيمة فى الفضاء، أما أن يكون من هذا النور مخلوقات تتحرك وتتكلم، وتتشكل بأشكال شتى (2) ، وتقوم بأعمال معينة تكلفها، فأمر وراء إدراك الحس0

وحقيقة أن خلق الله آدم من قبضة من طين الأرض معجزة هائلة يقف الحسّ أمامها عاجزاً متحيراً ؛ لأن النقلة بعيدة بين قبضة الطين وبين هذا البشر ذي الحواس والإدراك والقصد والإرادة والقدرة على تعمير الأرض واستخدام طاقات الكون المسخرة له من عند الله .

ولكن هذه النقلة على ضخامتها أيسر في حسّ الإنسان من خلق الملائكة من النور . فالطين على أي حال مادة مجسمة ، وجسم الإنسان مادة ماثلة للعيان . أما النور فإنه ليس مادة .. فكيف يكون مادة للخلق إلا أن تكون قدرة الخالق المبدع متجاوزة كل حد يستطيع العقل أن يصل إليه . فتبارك الله أحسن الخالقين .

وحين يأخذ الإنسان حظه من استشعار عظمة الله الخالق المبدع ، فإن قلبه يأنس لهذه المخلوقات ترفّ حوله وتملأ جنبات الكون .

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (7687 ) -المارج : لهب النار المختلط بسواها

(2) جاء فى حديث جبريل: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلاَمِ. .... قَالَ لِى « يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ».. رواه مسلم0

ركائز الايمان · الصفحة ١٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الايمانص ١٧١