وفرق كبير في حس الإنسان بين أن يكون هذا الكون من حوله خاوياً موحشاً وبين أن يكون عامراً بمخلوقات حية ، بينه وبينها اختلاف .
فإذا كانت المخلوقات الحية في الأرض من نبات وحيوان - والحيوان على الأخص بما فيه من الإنسان من أوجه شبه وأوجه اختلاف - تؤنس الإنسان وتبهج قلبه ، وتنفي عنه الشعور بالوحشة في سكناه لهذه الأرض ، فيروح يتأملها ويتملاها ، ويفرح كلما لقي واحداً منها على مقربة منه .
إذا كان هذا يحدث بالنسبة لعالم الأرض المحدود المحسوس ، فنه حري أن يحدث بالنسبة للكون الكبير ، ما يقع منه في دائرة الحس وما يقع وراء الحس من آفاق .
فإذا كانت المخلوقات الطينية تؤنس وحشته في الأرض ، فإن تلك المخلوقات النورانية تؤمس وحشته في الكون الواسع الذي هو جزء منه ، فيصبح أروح نفساً وأكثر طلاقة مما لو حبس نفسه في دائرة المادة والحس
ثم إن الملائكة مشغولة ليل نهار بالتسبيح للملك القدوس الواحد القهار : ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) [ الأنبياء : 20 ] .
ومن هنا نعرف أن أهم ما يقومون به تسبيح الله وتعظيمه وتنزيهه حيث هيأهم لهذا .
ألا ما أورعها صورة !
إن الإنسان يحاول أن يسبح لله فترة من النهار أو جانباً من الليل فيفتر ولا يقوى على المضي في التسبيح ، لأن له جسداً يريد أن يأكل وأن يشرب وأن يرتاح وينام ، ولأن له فكراً لا يكف عن الانشغال بمطالب الحياة الدنيا .
ومن رحمة الله بالإنسان أن لم يكلفه ما كلف الملائكة من التسبيح الدائب ليل نهار ! فإنه - سبحانه - وقد خلق للإنسان جسداً يشتهي وعقلاً ينشغل بالتفكير ، جعل العبادة المفروضة عليه من نوع آخر غير عبادة الملائكة ، فإلى جانب التسبيح والصلاة وشعائر التعبد التي يشترك فيها الإنسان مع الملائكة ، فإن الله من رحمته بعباده من بني الإنسان جعل حركة أجسامهم وعقولهم عبادة إذا توجهوا بها إلى الله ، والتزموا في شأنها بما أنزل الله . وهكذا أصبح سعي الإنسان وراء الرزق عبادة ، وعمارته للأرض عبادة ، وطعامه