يدخلوا إلاّ من بابه، ونشروا الرذيلة مع الفقر حتّى لا يكون للشاب إلاّ طريق الخبث، ثمّ لم يجدوا منفذاً للشرّ إلاّ وسهّلوه وقرّبوه للناس، والأمّة ترى الأسماء هي الأسماء التي عهدتها في تاريخها وأمّا الحقائق فتخالف ذلك كلّه، ثمّ وجد من حسّن هذا الأمر وأفرغ وسعه من أجل إسباغ الشرعيّة عليه وساعدهم في هذا قلب الأسماء، فالزندقة عندهم هي الحرّية، والدخول في دين الطاغوت ديمقراطيّة، وموالاة الكافرين سلاماً ووحدةً وطنيّة، وأمّا شرع الله ودينه فهو التخلّف والرجوع إلى الوراء إلى زمن البعير والسيف والرمح، وسمّوا زنا المرأة فنّاً وحرّية اختيار، وسمّوا بيع الأوطان والديار سلاماً وحسن جوار.
هذا أبصره الشباب المقبل على ربّه ودينه، فعلم من دينه ما علم، فحمل كلمة الحقّ وقذفها في صدور الأعداء والمناوئين وبدأ يدعو إلى الله ويكشف للناس حقيقة ما هم عليه والواجب الملقى على عاتقهم، وكان جماع ذلك كلّه في كلمتين: الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله.
الدعوة إلى الله: وفيها تعليم الناس ما جهلوه من التوحيد والسنّة، وفيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأمّا الجهاد في سبيل الله تعالى، فهو ضدّ المرتدّين قبل غيرهم، لأنّ رأس المال مقدّم على الربح وتحقيق الزيادة، أمّا الدليل على ردّة هؤلاء الحكّام وردّة طوائفهم فهو بسبب تبديلهم شريعة الرحمن وموالاتهم لليهود والنصارى والشيوعيين، ومعاداتهم المؤمنين والموحّدين وأتباع الرسل، ومن فعل هذه الأفاعيل فهو بإجماع الأمّة المسلمة التي خلت أنّه كافر مرتدّ، وإليك الدليل ردّة من بدّل شريعة الرحمن وحكم بشريعة الشيطان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافراً باتّفاق الفقهاء".
والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود، ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمراً ناهياً حاكماً على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلهاً مطاعاً معبوداً يُعبَد الأدلّة من القرآن والسنّة إنّ ممّا اتّفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين هو الدعوة إلى توحيد الله في العبادة والقصد والطلب، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: 36]، وكان ممّا يدخل في عبادة الله تعالى، بل هو قاعدة العبادة وأصلها، هو إفراد الله تعالى في الطاعة والامتثال، فالله هو الحَكَمُ وله الحُكم. قال تعالى: ﴿إنِ الحكمُ إلاّ لله﴾ [الأنعام: 57]. وقال تعالى: ﴿ألا له الحكم﴾ [الأنعام: 12]. وقال تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: 54]. وقال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: 10]. وقال تعالى: ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾ [الكهف: 26]. فهذه الآيات تبيّن بوضوح وجلاء أنّ حقّ الحكم هو لله وحده، بل إنّ معنى الإله هو المعبود، والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود.
ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمراً ناهياً حاكماً على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلهاً مطاعاً معبوداً يُعبَد، قال تعالى: ﴿أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: 21]. فقد سمّى الله المشرّع شريكاً وسمّى ما شرّع ديناً، وأصل كلمة الدين تعني الخضوع، وهكذا حال المطيع لشرع غيره فإنّما هو خاضع له، وهو معنى الدين، فهذه الآية جامعة لهذا الباب وهو تسمية المشرّع إلهاً، وتسمية الشرع الذي شرعه ديناً، وتسمية الطائع له مشركاً، وقال تعالى: {إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم