تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان أهل الإسلام يملكون الرصيد الأكبر لتحصيل الغلبة في امتلاك الدولة، ولكن بكلّ سهولة ويسر تحوّل مَن لا يملك الرَّصيد إلى حاكمِ دولةٍ ومن يملكُ الرصيد إلى مُهاجر مُطارد لا يملك مترَ أرض يموت فيه.

لقد بنى النّاس دولهم وأقاموا لها الأساسات والعُمُد ووثّقوا أركانها وجنُوا خيراتها وربّوا الأمّة على ما يريدون، وكسبوا مواقع متقدّمة، وما زال أهل الإسلام يتناظرون ويتشاجرون حول الطّريقة المثلى لإقامة الدّولة الإسلاميّة؟!!. وكلّ المتناظرين يزعمون أنّ دليلهم فيما يقولون من إقامة الدّولة الإسلاميّة مشتقّة من الطّريقة النّبويّة (زعموا).

وإنّي بفضل الله تعالى منذ أن بدأت أحترم عقلي وأحترم ما وهبني الله تعالى من نِعَمٍ أيقنت أنّ الطّريقة المثلى لإقامة دولة الإسلام هي عين الطّريقة المثلى في إقامة أيّ دولة من الدّول. فالطّريقة الشّرعيّة هي عينها الطّريقة الكونيّة، فإذا ثبت من جهة النّقل الصّحيح فإنّه يوافق الكونيّ الصّريح، وإذا ثبت شيء من جهة العقل الصّريح فإنّه لا بدّ أن يوافق النّقل الصّحيح، ولكنّ الحكم الشّرعيّ لا يؤخذ من الكونيّ بل يؤخذ من النّقليّ، فالحلال والحرام والجائز والمستحبّ والمكروه لا يثبُتُ واحدٌ منها إلاّ بالكتاب والسنّة.

وبالتّالي لا يمكن أن يثبت نقلٌ صحيحٌ على خلاف العقلِ الصّريح، ولا يُمكن أن يُجمع العقلاء على كونيٍّ صريح وهو مخالف لشرع الله ودينه، فمصدر الكون هو مصدر الشّرع ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ بل إنّ من معاني الحقّ (وهو اسم يطلق على الشّرعي) ثابت لكونه موافقٌ لقدَرِ الله تعالى وخلقه (الفطرة).

هذا الذي أقوله لا بدّ أن يجتمع مع ما قُلته سابقاً ليستقيم المعنى في نفوس إخواني القرّاء.

وقد علم كلُّ من عاشرني وعرفني عن قرب أنّي من أشدّ النّاس (بفضل الله تعالى) تنبيهاً على أولئك الذين يخرِمون السنن الكونيّة والقدَريّة بحجّة وجود قواعد خاصّة لنا (أي أهل الإسلام) تُخالف السنن الكونيّة والقدريّة التي يجريها الله تعالى على البشر جميعاً، وبالتّالي فإنّ مِن الخطأ الشّنيع أن يظن ظان أنّ السّيرة النّبويّة لها نظام خاصٌّ وقواعد مستقلّة خارج نظام وقواعد وسنن التّغيير السّننيّ في البشر جميعاً، فهذا الزّعم هو الذي يجعل أولئك القوم يقرأون السّيرة من أجل البركة فقط من غير نظرٍ إلى أنّها هي الطّريقة الكونيّة والشّرعيّة الوحيدة لإقامة دولة الإسلام، وهذا فيه ردٌّ على أولئك الذين يجعلون الطّريقة النّبويّة طريقة خاصّة لا يعرفها إلاّ أهل الإسلام في إقامة الدّولة، وكفى بواقع أولئك دليلاً على خطأ ما وقعوا فيه من الوهم والظّن الذي حسبوه علماً ويقيناً.

لا أشكّ أنّ كثيراً من النّاس لن يقبلوا كلامي حتّى أملأه وأحشُوه بكلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، مثل هؤلاء القوم لست حريصاً على إقناعهم بصواب ما قلته.

الشّيخ ناصر الدّين الألباني له طريقةٌ خاصّة في إقامة الدّولة الإسلامية يسمّيها ويلقّبها بالطّريقة النّبويّة، ويُطلق عليها شعار التّصفية والتّربية.

حزب التّحرير له طريقةٌ خاصّةٌ في إقامة الدّولة الإسلاميّة يوجب على النّاس سلوكها ويسمّيها الطّريقة النّبويّة.

وكذا الإخوان المسلمون (إحساناً للظّنّ بهم) وغيرهم الكثير، وأنا أسأل هؤلاء جميعاً سؤالاً واحداً أقدّم له بمقدّمات مُجمع عليها (!! أو أظنّ ذلك):

أوّلاً: المسلم المهتدي معه توفيق الله تعالى وبالتّالي هو أقرب إلى تحصيل أهدافه من الكفّار.

رسالة حول استشهاد الرنتيسي · الصفحة ٣٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة حول استشهاد الرنتيسيص ٣٤٠