تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مسألة اجتماع صاحب المنار بالملك فيصل

وسعاية العتل الزنيم ومفاسده فيها

كتب إلينا من أكبر أمصار الحجاز أن رجلا من مستخدمي الحكومة الحجازية

كان بمصر وعاد إليها قبل موسم الحج الأخير فأذاع في جدة والمدينة المنورة ثم

في مكة أن صاحب المنار لما قابل ملك العراق بمصر أعطاه عهدا وميثاقا بأنه لم

يعد يدافع عن هؤلاء الوحوش النجديين، إلخ، وكان يقول في الاستدلال على

صحة هذا الزعم: إنه قد نشر في بعض الجرائد ورآه صاحب المنار ولم يكذبه ولو

لم يكن صحيحا لكذبه، أما صاحب هذه الفرية الحقيرة الدنيئة فقد عرفناه، وإن لم

يذكر اسمه أحد ممن كتب إلينا بالخبر: عرفناه مما سبق له من أمثال هذه السعاية: هو

هو ذلك الذي أذاع تلك الإذاعات الباطلة في ضد ما وجهت سعيي له في حادثة

المحمل المصري، هو هو ذلك الذي كان يطعن علي في كل مجلس بمصر حتى

أمام

المرحوم سعد باشا والذي اجتهد في السعي للإيقاع بيني وبين سمو الأمير سعود

عندما كان هنا، هو هو الذي أوعز إلى صنيعته بمصر في الطعن علي في الجرائد

مرارا أو بذل لها المال أجرة نشرها، هو هو الذي أذاع تلك الأكاذيب في مسألة

طبع كتاب المغني من كتب جلالة الإمام، ولقنها لبعض مراسلي بعض الجرائد

السورية، وأنا لا أعلم سببا لعداوته لي إلا أن يكون الحسد لما رآه من عناية الملك

وشدة ثقته بي وخوفه أن أذكر لجلالته ما أعلم من مخازيه، ولكن هذا خلقه لا خلقي،

وإذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاد من أوهامه

وقد زاد في حقده علي أخيرا أنه دخل مكانا بالقاهرة فيه كثير من الوجهاء فقاموا

له ولم أقم؛ لأنه مجاهر بعداوته لي وأحمد الله أنني لا أعرف المداهنة ولم أعتد

النفاق.

وقد كان استغرابي لفريته الأخيرة أعظم من كل ما سبقها من أمثالها؛ لأن

ثنائي على الإمام وقومه ودفاعي عنهم لا ينقطع ما دامت مناقب الإمام وأعماله

الإصلاحية متجددة، وما دام يوجد في الناس من يطعن في قومه بالباطل إما اتباعا

للهوى وإما للجهل، ووالله إنني لا أبغي بهذا الزلفى عنده بل عند الله وحده.

إن هذا العتل الزنيم والحسود الباغي كاذب في قوله الأخير ككذبه في أمثاله،

وإنه كاذب في استدلاله عليه بأنني رأيت الخبر منشورا في الجرائد ولم أكذبه،

فإنني لم أر ذلك ولم يبلغني أن أحدا نشر في جريدة، بل الأرجح أنه هو الذي

افتحره على أنني لو رأيته في بعض هذه الجرائد الهمزة اللمزة التي تلقب بالساقطة

لما باليت به، ولما رددت عليه فإننا مأمورون بالإعراض عن الجاهلين، فكيف إذا

كانوا كأصحاب هذه الجرائد الساقطة من الأدنياء المأجورين.

ولكنني علمت أن جريدة لبنانية منها مأجورة لخصمنا في مسألة السياسة

السورية قد كتب إليها أجراء هذا الخصم بأن صاحب المنار قابل الملك فيصل

واعتذر له عن طعنه فيه من قبل، وتذلل له ليعفو عنه أو ما هذا معناه، ولذلك

صرحت فيما نشرت قبلا من حديثي مع الملك فيصل بأنني قلت له في وجهه: إن

كل ما كتبته فيهم صدر عن عقيدة وقصدت به خدمة أمتي وملتي، فأجابني بأن

والده كان يعتقد أيضا أن كل ما فعله وخالفناه نحن فيه إنما كان من اعتقاد منه بأنه

عين المصلحة وخدمة الأمة، وبأنه إذا لم يكن والده معصوما من الخطأ في عمله أو

اعتقاده فلا يمكنني أنا ادعاء العصمة لنفسي في ذلك، وذكرت أنني قلت له: نعم لا

أدعي العصمة من الخطأ، ولكنني إذا ظهر لي خطئي أرجع عنه، ولا يخفى أن

مفهوم هذا الكلام أو فحواه أن والده لا يرجع عن خطئه وإن ظهر له، وأنه لو ظهر

لي أنني كنت مخطئا فيما كتبته فيهم لرجعت عنه حيث نشرته، وهذا تكذيب

صريح لمن كتبوا إلى تلك الجريدة بأنني اعتذرت له، ولكني أكرم نفسي عن ذكر

تلك الجريدة، وذكر من كتب لها وعن الرد عليهم بأن العفو إنما يطلب ممن يملك

العقوبة، والملك فيصل لا يملك ذلك.

ومن العجب عندي أن صديقا من أخلص أصدقائي كتب إلي بمناسبة السعاية

الأخيرة أن الذي زين لي لقاء الملك فيصل كان خادعا، وأنه ما كان ينتظر من مثلي

أن أنخدع له وإن قيل: (إن الكريم إذا خادعته انخدعا) وتمنى أن لا أعود إلى

مثل هذا، وقد أجبته بأنني أعتقد أنه غير مخادع وأن نيته صالحة، وأنها تتعلق

بخدمة الأمة العربية والإسلام من الناحية التى ذكرتها في المنار، وأنني قبلت

وساطته لأجلها، على أن لي مقاصد أخرى من ذلك ذكرت بعضها دون بعض،

ويمكنني أن ألخصها كلها هنا ليعلم ذلك الصديق وغيره أنني لم أكن منقادا لصديقي

إحسان بك الجابري للثقة بحسن قصده فقط وهي:

1- أنه كان مما افتراه علي سفيه الملاحدة هنا أنني كنت أخدم سياسة فيصل

في دمشق للانتفاع بماله، وأنني أخدم ابن السعود الآن لمثل ذلك فكانت فرصة لقاء

فيصل التى سنحت من غير قصد ولا توقع ممكنة لي من تذكيره في وجهه بما كان

من حرصه على إسداء منفعة مادية إلي لا ينافي قبولها الإباء وعزة النفس،

واختياره منها أن يفرش لي الدار الواسعة التى استأجرتها، وما كان من سبقي إلى

استحضار الفرش والأثاث لها من طرابلس حتى لا يبقى له مجال لإرسال ما لا بد

لي من رده، ولم يكن يعلم بهذا أحد في الشام غير إحسان بك الجابري رئيس أمنائه؛

لأنه عرض ذلك علي أمامه وعلى مسمع منه، وقد تم لي هذا المقصد وأذعته في

المنار.

2- إن فيصلا أظهر وهو في أوربة في الزيارتين الأخيرتين لها ميلا لمساعدة

السوريين على قضيتهم، ولكن لدى فرنسة وكان بعض السوريين يرجون منه نوعا

آخر من المساعدة على فرنسة، والأذكياء منهم يعتقدون أنه لا يسعى إلا لنفسه أو

إخوته، وأنه إنما يبغي بإظهار مساعدتهم أن يثقوا به فيقنع فرنسة بجعل أخيه ملكا

على سورية، وبذلك يأخذ ثأره ويجعل سلطان بيت الحسين الهاشمي ممتدا من خليج

فارس إلى البحر الأحمر على طول مملكة ابن السعود معتزا بالدولتين الكبريين

إنكلترة وفرنسة مؤقتا إلى أن تؤول البلاد كلها إلى إنكلترة كما يتوقعون، فأحببت أن

أسمع من لسانه ما لعلي أعلم به مراده، وقد كان.

3- رغبتي الخاصة في الوقوف على رأيه في ابن السعود وقومه ومستقبل

ملكه كما ذكرت ذلك من قبل، وقد كان.

4و5 - ما كان موضوع الحديث بينى وبين إحسان بك الجابري، وهو

استنباء جلالته عما كان موضوع بحثنا في الشام من أمر الجامعة العربية والجامعة

الإسلامية، وما كان من توسلنا إلى الأولى بمكاتبة والده وابن السعود، إذ كتب هو

إلى والده كتابا أطلعني عليه بوجوب الاتفاق مع ابن السعود وكتب كل منا لابن

السعود كتابا أطلع الآخر عليه، وأرسل هو الكتب الثلاثة إلى صاحبيها، إلخ ما سبق

ذكره في المنار.

وأما الجامعة الإسلامية فكان موضوعها إزالة الشقاق والتفرق الذي حدث

بسبب المذاهب وجمع كلمتهم على مصالحهم المشتركة في دنياهم ودينهم، كان

فيصل قد سألني في دمشق هل هذا من الممكن؟ قلت: نعم، قال: وما الوسيلة إليه

؟ فذكرت له ما أراه وما كنت مهدته له في مقالات المصلح والمقلد وبينت له أن

الخلاف والشقاق لا يزال على أشده بين أهل السنة والشيعة وأن من الممكن الاتفاق

بينهما إذا سعى له أهل النفوذ والتأثير سعيه بالإخلاص، فأردت أن أعرف ما

اختبره في العراق من حال الفريقين، وهو ما سألته عنه وعما قبله بالتصريح،

وعلمت رأيه فيهما ولا يجوز في عرف الصحافة نشره بالتفصيل بدون إذنه، وهو

بالإجمال يدل على الآفة المؤسفة ضعف الدين في الفريقين لا التعصب له باسم

المذاهب، وإنما يتعصب كل لمنافعه المادية، وأما رأيه في الأمرين الثاني والثالث

فإنما استدرجته إلى الحديث فيهما استدراجا واستنبطت رأيه فيهما استنباطا.

أفرأيت أيها الصديق أن من له مثل هذه المقاصد المفيدة يكون مخدوعا بحسن

الظن وسلامة النية في ذلك الاجتماع؟

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٩ · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٩ · ص ١٨٠