المثال الرابع :
إن حديث معاذ في جمع التقديم الذي ذكره الحاكم مثالاً للشاذ(1) ، أورده النقاد في الأحاديث المعلولة دون أن يحكموا عليه بالشذوذ ، وإنما عبروا عنه بعبارات متنوعة ، يقول أبو داود : (( لم يرو هذا الحديث ـ يعني حديث معاذ في جمع التقديم ـ إلا قتيبة وحده ))(2) .
ويقول الترمذي : (( وحديث الليث عن يزيد بن حبيب عن أبي الطفيل حديث غريب ))(3) وهو ما رواه قتيبة عن الليث ، ويقول أبو حاتم : كتبت عن قتيبة حديثاً عن الليث بن سععد لم أصبه بمصر عن الليث ، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث(4) ، ويقول الطبراني : لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد تفرد به قتيبة(5) ويقول الخطيب : وهو منكر جداً من حديث قتيبة(6) .
ويقول أبو سعيد بن يونس : (( لم يحدث به إلا قتيبة )) ويقال : إنه غلط(7) هذه بعض المصطلحات اخترتها كنماذج لأنها تشكل أهمية بالغة في علوم الحديث ، نظراً لما تحتويه من قواعد التعليل ووسائل معرفة خطأ الرواة . فلمسنا من خلالها خلافاً جوهرياً بين المتقدمين والمتأخرين في تحرير معانيها وتحقيق مضمانيها ، مما يلح علينا أن نتفطن لذلك تحتشياً لوقوع الخلط بين المناهج المختلفة الذي يترتب عنه الزلل ويكثر فيه الجدل .
ولما كان الطابع العام لكتب المتأخرين في علوم الحديث متمثلاً في ذكر المصطلحات وتحرير تعريفها وتحليل آراء علماء الطوائف فيها أصبحت محتوياتها ومباحثها غير مرتبة ، رغم جهود بعض المتأخرين والمعاصرين في سبيل ترتيبها وتنسيقها ، وصارت المسائل التي تحملها تلك المصطلحات غير محررة على نهج المتقدمين بل كانت محررة حسب الظواهر وأحوال الرواة وهذا ما سأعالجه في الفقرات الآتية :
(1) الشاذ عن الحاكم ما تفرد به الثقة ، يعني به التفرد الخاص ، وليس تفرداً مطلقاً ، وقد فصلته في كتابي : الحديث المعلول في مبحث الشاذ .
(2) في سننه 1/190 ، في كتاب الصلاة ، باب الجمع بين الصلاتين ( دار الكتاب العربي ، بيروت ) .
(3) تحفة الأحوذي 1/387 .
(4) العلل لابن حاتم 1/91 .
(5) المعجم الصغير 1/234 .
(6) تاريخ بغاد 12/367 .
(7) حكاه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء 11/23 .