القسم الأول الحقائق العلمية
إن الحقائق العلمية التي أشرت إلى توضيحها تتمثل في جملة من الأمور في تحديد المعنيين بالمتقدمين والمتأخرين ، وتأكيد وجود تباين منهجي بين هاتين الطائفتين في كثير من المصطلحات الحديثية ، وخلاف جوهري في المسائل التي تكمن وراءها .
فقد شاع استخدام كلمتي (( المتقدمين )) (( والمتأخرين )) في مواضع كثيرة من علوم الحديث ، دون بيان شاف عن مدلوليهما ، إلا ما ذكره الحافظ الذهبي في مقدمة كتابه : (( ميزات الاعتدال )) غير أنه لا يصلح أن يكون فاصلاً بينهم ، فإنه قال : (( الحد الفاصل بينهم ثلاث مائة سنة ))(1) وهذا كما ترى تحديد زمني قائم على أساس الفضل والشرف للقرون الأولى ، فلا يعتبر ذلك إلا في مجال التفضيل والتشريف ، أما في المجالات العلمية والمنهجية ـ كعلوم الحديث ـ مثلاُ ـ فلا ، إذ إن حفاظ القرن الرابع بل النصف الأول من القرن الخامس أيضاً يشتركون مع سلفهم في الأعراف العلمية ، والمناهج التعليمية ، والأساليب النقدية ، وكيفية استخدام التعابير الفنية ، اللاحقين بهم .
ومع ذلك فإن هذا الفاصل لم يكن معمولاً به في الناعات الحديثية عموماً كما يبدو جلياً لمن يتتبع السياق الذي وردت فيه هاتان الكلمتان ، ومناسبة إطلاقهما ، حيث إن المفهوم السائد لهذين المصطلحين هو المعنى النسبي أي كل من سلف يعتبر متقدماً بالنسبة إلى من لحقه ، وهذا المفهوم غير صالح أيضاً في المجالات العلمية التي يتوخى فيها المنهج والاصطلاح نظراً إلى كونه تحديداً لغوياً دون أدنى اعتبار للفاصل العلمي الحقيقي ، وإلا فإنه يؤدي إلى الخلط بين أصحاب الرؤى المتباينة جوهرياً وفنياً .
فحين يقع بين مجموعتين خلاف جوهري ، وتباين منهجي ، في كثير من مسائل علوم الحديث ، فإنه يصبح من الضروري فصلهما بما يميز كلا منهما عن الأخرى ، كي لا يشيع الزلل ، ويكثر حوله الجدل ، بسبب عدم التمييز ذوي المناهج المختلفة .
(1) 1/4