الفرنسيين قدموا بكوات المماليك بوصفهم رموزا لطغيان لويس السادس عشر" وإرهاب "روبسبيير " بل لا بونابرت نفسه، ووسعوا الدائرة لتشمل الفرنسيين في مصر كلهم، حتى إننا نجد بعض الفنانين الفرنسيين الذين ينتمون إلى المدرسة الثورية يدينون لاحقا من طرف خفي الحملة الفرنسية بتصويرهم الجنود الفرنسيين في أزياء شرقية و بونابرت كمن يتلاعب بأرواح البشر. (1)
دفع تشاؤم "برنوبية المتزايد تجاه تحقق الحرية في مصر في نهاية المطاف إلى التعبير عن أفكار نقلها عن روسو"بشأن الأذى الذي يكمن في صلب الحضارة. فمن ناحية شعر "برنوييه أن المصريين إذا ما تلقوا التعليم و استقبلوا التنوير فلن يخضعوا النير الظلم بعد ذلك، فقد ساءه أنهم لا يشعرون بالظلم في حالتهم الراهنة من الجهل فهم يتحملون كل مظاهره صابرين مستسلمين، غير أن جهل الفلاحين الذي يحط من شأنهم، وثقافة المتعلمين التي تدفعهم إلى التمرد، لا يرقيان في نظره للسعادة التي يشعر بها الرجل اليداني النبيل noble sauvage حسبما قال "روسو).
وهكذا فإن أبرئوييد" لا يرى في فلاحي مصر صورة الرجل البدائي النبيل، بل التابع الذليل الذي تلاحقه الإهانة في حضارة مستبدة. ففي مواجهة تراكم الأدلة
على فشل الطغيان والحرية كليهما في تحقيق السعادة للبشر، يعود "برنوييه إلى فکر روسو" الرومانسي بشأن فضائل الحياة في أحضان الطبيعة، و هي حياة تبعد من يرغب في تحقق مثل عليا منزهة عن الوجود ذاته، بل إن آثار مصر القديمة، على ضوء تلك النظرة الفلسفية، لا تتحدث عن التقدم بل تدل على التعصب و العبودية وتشهد على الطغيان الشرقي. فإذا غاب العقل و الحرية، فإن قاعدة الاستبداد التي ارتفعت عليها أهرامات مصر تفسد جمالها.
153