فالمؤمنون المتَّقون جمعوا صفات كثيرة، ولكلٍّ منها درجة في الفضل، وشرف ورِفْعَةُ منزلةٍ في الكمال، وفي كلٍّ من هذه الصفات تتحقَّق قيمة من قيم الحياة الإنسانية أوَّلها الصبر: وهو السيطرة على ردود الفعل الَّتي تنشأ عن انفعال النفس بسبب الرغبة المُلِحَّة تجاه أمرٍ ما، أو الرهبة والانزعاج من تصرفات الآخرين، أو الألم والحزن والغضب في البلايا والمحن. وثانيها الصدق: وهو دعامة الفضائل، وعنوان الرقي، ودليل الكمال، وهو الَّذي يضمن صيانة الحقوق، ويوطِّد الثقة بين الأفراد والجماعات، وبه تطمئن النفوس الكريمة، بينما يُقلق الكذب القلوب إذا تفشى وانتشر، ويدعها مضطربة حائرة، ويُفسد المجتمع ويهد أركانه. وثالثها القنوت: وهو المداومة على طاعة الله تعالى والإخبات له مع الخشوع والخضوع، وهو لبُّ الطاعة والعبادة وروحها.
وهناك إنفاق المال في جميع سبل الخير الَّتي حث عليها الإسلام، سواء أكانت واجبة أم مستحبَّة، وفي ذلك إعلاءٌ لحقيقة الأخوة الإنسانية وتجاوز شهوة حبِّ الذَّات، وتكافلٌ بين الناس يزرع المحبَّة في نفوسهم.
وأمَّا الاستغفار بالأسحار فإنه يلقي ظلالاً وارفة ندية على القلب، لأنه يعني الصلة مع الخالق، والانصهار في روعة التجلِّي وعظمته؛ ففي تلك اللحظات تصفو النفس بالتوحيد، ويصدح الكون بالتسبيح، ويصعد الأنين المشحون بالشوق إلى لقاء الله، وقد تجرَّد صاحبه عن كلِّ هدف أو غاية دنيوية عارضة، فهو في لهفة واشتياق إلى الاستمداد من عطاء الله وأنواره، بعيداً عن لذائذ الجسد وشواغل النفس من حاجات الجسم الترابي الفاني، وإقبالاً على الحقائق الأبدية الخالدة الَّتي تبقى بعد أن تتلاشى أجزاء الجسد وتعود إلى التراب.