والثاني تواصلٌ وتوادد مع مخلوقاته.
وتضيف الآية سمةً أخرى من سمات أولياء الله، وهي أنهم يُؤدُّون ما عليهم من حقوق الله وهم راكعون متواضعون وقلوبهم وَجِلة، فهل ستُقبل أعمالهم أم ستُردُّ عليهم؟ وهل سيُسجَّلون عند الله من الأبرار أم لا؟ فالركوع: يعني الخضوع والتواضع، والتأدب مع الله، وتقديم فروض الطاعة له، والاستشعار بعظمته والوفاء بحقِّه، ونفي الكِبْر والعُجْب من النفس، وتذكير المؤمن بعبوديته الدائمة لربِّه، فلا يركب متن الغرور، ولا يتعالى على مخلوقات الله. وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: تصدَّق عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل: مَن أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع، فأنزل الله تعالى: ﴿ويؤتون الزَّكاة وهم راكِعون..﴾.
إنها قلوب مُفعمة بالصدق مع الله يحملها هؤلاء الخاشعون في صدورهم، فهم إن صلَّوا فليتَّصِلوا، وإن زكَّوْا فليتزكُّوا، وهكذا فإن شعرة دقيقة جداً تفصل بين فريقين متناقضين تمام التناقض، فكلاهما يتعب وكلاهما ينصب، ولكنَّ الأوَّل عمل لله فسكن جلال الله في قلبه، فملأه من حبِّه وحكمته، والثاني عمل إرضاءً للهوى، فعشَّش الشيطان في قلبه! فالفريق الأوَّل شكَّل حزباً إيمانياً، لا حزباً سياسياً، حزباً عاملاً كخلية النحل، فالواحد للكلِّ، والكلُّ للواحد، وقد قدَّر الله لإيمانهم الفوز على الكفر، ولخيرهم الانتصار على الشر.
----------------
الباب الحادي عشر -الدفاع عن العقيدة والثبات في مواجهة أعدائها
الفصل الأوَّل:
دعوة الإسلام إلى السَّلام
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذينَ آمنوا ادخُلوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبعوا خُطواتِ الشَّيطانِ إنَّه لكم عَدوٌّ مبينٌ(208)﴾
سورة الأنفال(8)
وقال أيضاً: ﴿وإن جَنَحوا للسَّلْمِ فاجْنَحْ لها وتوكَّلْ على الله إنَّه هو السَّميعُ العليم(61)﴾
ومضات: