والسَّحَر هو السويعات القليلة من الليل الَّتي تسبق الفجر، والَّتي يصفو فيها القلب ويخشع، ويَغرقُ الكونُ في صمت وهدوء، فتخمَدُ جميع الأصوات ليتعالى صوت الإيمان، ويتنامى شعور المرء بضعفه أمام الجلال الأعظم، فينطلق بعيداً عن كلِّ مشاغل الدنيا وهمومها، ليتَّصل بالعالم السماوي، ويبثَّ خواطره ولواعجه وخلجات نفسه الحبيسة، فإذا رافق ذلك صلاة واستغفار، تسامت روحه وارتقت في طلب الصفح والغفران، وتفتَّحت قريحته بالدعاء وأجهش بالبكاء الحار، حتَّى يغسل بدموعه ما ترسَّب في نفسه من الأدران والأمراض لتعود طاهرة نقية أقرب ما تكون إلى الفطرة السليمة؛ فيُحسُّ المرء بوجود الله مهيمناً عليه قريباً منه، ويشعر بعطائه يلامس شغاف قلبه ويملأ حناياه. وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ينزل الله تبارك وتعالى في كلِّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له» (أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ).
فمن كانت هذه صفاته فلابدَّ أن يوقن في أعماقه بوحدانية الله وأنه لا شريك له، وهذه الحقيقة قررها الله سبحانه بياناً لتفرُّده ووحدانيته، وتثبيتاً لقلوب هؤلاء المؤمنين بأنهم على حقٍّ، وبأنهم المقرَّبون إليه. أمَّا شهادة الملائكة وأولي العلم فتتمثَّل في طاعتهم لأوامر الله تعالى، والتلقي عنه وحده. وشهادة الله سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بالوحدانية لله، يصاحبها شهادتهم بأنه تعالى عادلٌ في كلِّ أمر، منصفٌ في كلِّ حكم. وعلى مثل هذه الصفات يجب أن نبني سلوكنا مع أفراد المجتمع لنصبح من أولي العلم، ومن أصحاب مقام الشهود، وهذا إثبات لقيمة العالِمِ وتأكيد على أهمِّية العلم.