تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا نجد أن هذه الوصايا الثلاث؛ وحدانية الله، والبِرُّ بالوالدين، وحقُّ الحياة للأولاد، قد رسمت الإطار الإنساني العام الَّذي تنتظم فيه البشرية جمعاء، ثمَّ عرَّجت الآيات الكريمة على الإنسان، وغاصت في أعماقه، فتناولت سريرته لترتقي بها وتسمو فوق كلِّ ما يفسد إيمانها ويعكِّر عليها صفو العلاقة مع خالقها، وكذلك العلاقة مع الناس، ابتداءً من وساوسها وانتهاءً بشرورها وآثامها، فقالت له: إن أموره لن تستقيم إلا إذا ضبط نوازعه، وطهَّر قلبه من الرجس وحوَّله إلى جهاز شديد الحساسية، يلتقط أدقَّ التجلِّيات الَّتي يفيضها عليه خالقه، فيستشعر جلال عظمته ودوام مراقبته له، ويبتعد بنفسه عن كلِّ مكروه يكرهه الله، ويُقبل على كلِّ طاعة يحبُّها الله، فلا يُفْحِشُ في قول ولا عمل، ولا يسمح لنفسه بسماع كلمة نابية، أو رؤية منكر، فإذا تمَّ الصلح بينه وبين ذاته تصالح مع من حوله وتحوَّل إلى إنسان ملائكي، ينتظم في منظومة الكون العظيم، مبتعداً عن الخبث والخبائث ملتزماً بالطهر والطهارة.

وبعد تلك الجولة في مجاهل النفس تنتقل الآيات لتدخل في إطار المجتمع، وتقرر حُكْماً مبرماً لا هَوادة فيه؛ هو تحريم قتل النفس إلا بالحقِّ، فالإنسان أكرم مخلوق على الأرض كما قرر النص القرآني في قوله تعالى: ﴿ولقد كَرَّمنا بَني آدم..﴾ (17 الإسراء آية 70) وأوَّل مراتب التكريم صيانة حياته، فهي مُلكٌ لخالقها، وهو الَّذي بدأها ولا يجوز لأحد غيره أن ينهيها، ولا يحقُّ لأي إنسان ـ مهما عظم سلطانه أو ارتفع شأنه ـ أن يسلب إنساناً حياته إلا ضمن شروط حددها الشارع الحكيم، تجعل الإنسان يعيش في ربوع الإسلام آمناً مطمئناً، مادام بعيداً عن الأمور الَّتي ترفع عنه هذه الحصانة الإلهية.

منهاج حياة · الصفحة ٩٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٩٩٤