إنَّ تنزيه الله تعالى عن المماثلة والتشبيه، والإقرار بالعبودية له، يستلزم طهارة القلب ونقاوة الضمير، فيفيض الحبُّ من القلب ليغمر صاحبه ثمَّ يتعدَّاه إلى من يلوذ به، ومَنْ أحقُّ بالحبِّ من الوالدين اللذَيْن كانا سبب وجود ولدهما، وهما يشكِّلان جذوره الممتدَّة في عمق الحياة.
والإحسان إلى الوالدين لا تحده حدود وأقل ما يقال فيه، إن الله قرن عبادته بالإحسان إلى الوالدين فقال: ﴿وقضى ربُّكَ ألاَّ تعبُدوا إلاَّ إيَّاهُ وبالوالدَين إحساناً..﴾ (17 الإسراء آية 23). هذان الوالدان اللذان أمضيا زهرة عمرهما، وثمرة سعيهما، وخلاصة وجودهما، ليصبَّاها في كيان وليدهما، حتَّى تثمر فيه علماً وأدباً وتقوىً وشباباً. وهكذا يفتح الإسلام مظلة الرعاية الاجتماعية، ليجمع تحت ظلِّها رؤوس أعضاء الأسرة الإنسانية، بادئاً بأجلِّهم وأكرمهم وهما الوالدان. وبعد توصية الأبناء بالبِرِّ بالوالدين تأتي الوصيَّة إلى الآباء لرعاية الأبناء وصيانة حقوقهم، حيث أن للأبناء أيضاً حقوقاً على والديهم، فلا يظننَّ الوالدان أنهما يملكان حقَّ التصرُّف بحياة أولادهما، فيعاملانهم على أنهم شيء من سَقَطِ المتاع، فهما وإن كانا الأصل في وجودهم إلا أن الموجد الحقيقي هو الله، وما هما إلا الوسيلة، والسبب الَّذي قدَّر الله وجودهم عن طريقه. فليرفع الآباء طَرْفَهم نحو السماء كلَّما ثارت في نفوسهم نوازع الأثرة والأنانية، وهبَّت عليهم رياح حبِّ التملُّك، وعصفت برؤوسهم المخاوف من أعباء الحياة، وضيق ذات اليد، فلا يفكرون بقتل أولادهم مخافة الإنفاق عليهم، فرزقهم محفوظ في خزائن الله، وأي اعتداء عليهم يحرمهم من حقِّ الحياة؛ إنما هو عدوان على الله واتِّهام له عزَّ وجل بأنه فقير وعاجز عن كفاية مخلوقاته جميعاً بالرزق الوفير.