تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتكرر ذكر جانب من التعاليم الإلهية في مواضع مختلفة من القرآن الكريم تأكيداً على أهمِّيتها، وتذكيراً للمؤمنين بها، لتترسَّخ في أعماق قلوبهم وحنايا تفكيرهم، كيلا يحيدوا عنها أو ينسوها، لأن نفسية الإنسان مجبولة على النسيان، ولابدَّ لها من تحريك دائم لتتشرَّب التوجيهات الإلهية وتهضمها، ممَّا يمهِّد السبيل لتطبيقها والالتزام بها.

وتشدُّ الآيات الكريمة انتباه السامعين إليها بتصديرها بفعلين متتاليين من أفعال الأمر، الأوَّل منهما موجَّه من الله إلى رسوله: ﴿قلْ﴾، والثاني موجَّه من الرسول إلى الناس كافَّة: ﴿تَعَالَوا﴾، وفي هذا تسلسل منطقي يدلُّ على الرابطة الوثيقة بين المشرِّع الَّذي هو الله، وبين من نزل إليهم التشريع وهم بنو آدم، مروراً بالرسول الكريم الَّذي تنحصر مهمته بتبليغ ما أُمر بتبليغه إلى الناس كافَّة، وهو ما يُعْرَف بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وهذا يستدعي اليقظة الفكرية، والفهم الدقيق، والتنفيذ الصحيح لمضمون الرسالة. فما هي الوصايا الَّتي يوجِّهها الله تعالى لنا في هذه الآيات؟ إنها مجموعة من التعاليم والإرشادات، أوَّلها وأهمُّها تنزيه الله عن الشريك والنِدِّ، لأن الله غنيٌّ بذاته العليَّة عن الشريك من جهة، ولأنه لا يمكن لمخلوق أن يرقى ليصبح من جهة أخرى خالقاً. والفطرة السليمة النقية تعرف هذا، ولكنَّ بعض الناس خَفَتَ صوت فطرتهم حتَّى بات همساً تحت تأثير شهوات النفس، ونوازع الهوى، فجاءت الآيات تنبِّهُهم ليحوِّلوا مِقوَدَ قلوبهم من طريق الشرك إلى طريق الإيمان، لأنه أُسُّ العقيدة والعمل، وكلُّ عمل لا يرتكز على هذا الأساس فهو باطل، لأن الولاء لله يعني الانقياد له، فمن شُغِفَ بالله شُغِفَ بتنفيذ أوامره، ومن وحَّد الله لم تُطِقْ نفسه أن يكون عبداً لسواه، ولا يجد سعادته إلا في أن يعلن براءته ممَّا يتخبَّط فيه غيره ممن عبد غير الله أو جعل له شريكاً.

منهاج حياة · الصفحة ٩٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٩٩٢