والمؤمنون هم الَّذين يرعون الأمانة ويحفظون العهد، أفراداً وجماعات. والأمانات كثيرة في عنق الفرد وفي عنق المجتمع، وفي طليعتها أمانة الفطرة، الَّتي وضعها الله مستقيمة متناسقة مع ناموس الوجود الَّذي هو منه وإليه، شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته، والمؤمنون يرعون تلك الأمانة الكبرى فلا يدعون فطرتهم تنحرف عن استقامتها فتظل قائمة بأمانتها. ثمَّ تأتي الأمانات جميعها تبعاً لهذه الأمانة الكبرى، وقيل في ذلك: [والظاهر عموم الأمانات فيدخل فيها ما اؤتمن عليه العبد من قبل الله تعالى من قول وفعل واعتقاد، وما اؤتمن عليه من قبل الإنسان من الودائع والأمانات].
وبعد أن تلخِّص الآيات صفات المؤمنين، تعود مرة أخرى لتؤكِّد أنهم المصلُّون الحقيقيون، فهم يحافظون على صلواتهم فلا يُفَوِّتونها كسلاً، ولا يقصِّرون في إقامتها كما ينبغي أن تُقام، إنما يُؤَدُّونها في أوقاتها كاملة الفرائض مع السنن، مستوفية الأركان والآداب، حيث يستغرق فيها القلب، وينفعل معها الوجدان. وطالما أن الصَّلاة صلة بين المخلوق والخالق، فإنه لا يُنتظر ممن لا يحافظ عليها أن يحافظ على صلة طيِّبة فيما بينه وبين الناس، صلة محافظة حقيقية مبعثها صدق الضمير. ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصَّلاة وضرورة الخشوع فيها، وختمت بالصَّلاة وضرورة المحافظة عليها، للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان، بوصفها أكمل صورة من صور العبادة والتوجه إلى الله. ومَنْ تحقَّقت فيهم هذه الشروط جميعها هم الفائزون، وهم الوارثون لجنَّة الفردوس، وهم خالدون فيها لا يبغون عنها حِوَلا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿تلكَ الجنَّة الَّتي نُورِثُ مِن عِبادنا من كان تقيّاً﴾ (19 مريم آية 63).
سورة التوبة(9)