وتأتي خاتمة الآيات مناسبة لموضوع السورة كلِّها للتسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم، وهم يعرفون صدقه، ولكنَّهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويُصرُّون، فَمَنْ هؤلاء القوم؟ ومَنْ هذه البشرية كلُّها في ملكوت الله؟ ولِمَ يعبأ الله تعالى بهم لولا القلَّة المؤمنة الَّتي تدعوه وتتضرع إليه؟؟ من هم؟ وما الأرض الَّتي تضم البشر جميعاً؟ إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل الفسيح، والبشرية كلُّها هي أحد أنواع الأحياء الكثيرة على وجه الأرض، والأمَّة الواحدة من أمم الأرض، والجيل الواحد إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله؟. إن الله جلَّ وعلا لا يبالي ولا يكترث بنا إن لم نعبده، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحِّدوه ويسبِّحوه بُكرة وأصيلاً ليكافئهم أحسن المكافأة. جاء في الأثر: يقول الله تعالى: [خلقت الخلق ليربحوا عليَّ لا لأربح عليهم].
وصفوة القول: إن عباد الرحمن هم الَّذين تمسَّكوا بأهداب الصبر في جميع مراحل حياتهم، فإن لاحت لهم معصية تجلَّدوا أمامها، فنجوا، وإن تمرَّدت نفوسهم على فعل الخير صبروا على فعله فغنموا، فهم جنود الصبر الَّذين تُرفع لهم الرايات، يتناصحون ويتباذلون ويمشون بنور الله في الناس رويدا في خفية، يسلمون من الناس ويسلم الناس منهم بصبرهم وحلمهم، قلوبهم بذكر الله تطمئن ومساجدهم بصلاتهم يعمرون، يرحمون صغيرهم ويُجِلُّون كبيرهم ويتواسون بينهم، يعود غنيُّهم على فقيرهم بعطائه، يعودون مرضاهم ويشيِّعون جنائزهم، أولئك تُفتَّح لهم الأبواب، ليدخلوا رحاب الله الآمنة خالدين فيها أبداً.
سورة المؤمنون(23)