وعباد الرحمن هم الَّذين أدركوا أن الأسرة الصالحة هى الأسرة المترابطة فيما بينها، وليس ثمَّة رابطة تصهر أفراد الأسرة في بوتقة واحدة مثل رابطة الإيمان. فرابطة الدم أو المال أو التعايش أو تبادل المصالح لا يمكن أن تخلق مشاركة وجدانية أو تنشر جواً متجانساً بين أفراد الأسرة، لأنها رابطة هشَّة تتفكك وتنهار بمجرد زوال سبب وجودها، ولكنَّ رابطة الإيمان هي الَّتي تلمُّ شعث القلوب وتجعلها تدور حول محور واحد هو الإيمان بالله، وطالما أن المحور موجود فالعناصر موجودة ومشدودة إليه. وبعد أن أدركوا هذا السر العميق في شروط تكوين الأسرة الصالحة، توجَّهوا إلى ربِّهم بالدعاء لكي يجعل لهم من أزواجهم وذريَّاتهم من ينهج سبيلهم، ويتابع مسيرتهم في حياتهم وبعد موتهم، وليس أقرَّ للعين وأهنأ للقلب من أن يرى الإنسان فلذات كبده قرآناً حياً يتحرَّك أمامه، يقتبسون من نوره، ويظهر جمال تربيته وكمال منهجه من خلال أعمالهم وتصرفاتهم، ويعمُّ النور الأسرة والبيت، ويخترق الجدران ليعمَّ الحيَّ والشارع والمجتمع كلَّه. ولابدَّ من الصبر والمصابرة لنيل هذه الجواهر النفيسة والتحلِّي بها، ليتأهَّل صاحبها لدخول أشرف مكان وأطهره وأجمله؛ إلى جنان الخلد برحمة من ربِّ العالمين، خالداً فيها أبداً، فما أحسن هذا المقر، وما أطيب هذا المنزل لمن اتقى الله حقَّ تقاته.
منهاج حياة · الصفحة ٩٧٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٩٧٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي