وعباد الرحمن لا يشهدون الزور، والزور قد يراد به المعنى القريب وهو شهادة الزور، لما في ذلك من تضييع للحقوق، وإعانة على الظلم، وقد يراد به المعنى البعيد وهو الفرار من الحضور في مجلس أو مجال يقع فيه قول الزور أو فعله بكلِّ صنوفه وأشكاله، ترفُّعاً منهم عن شهود مثل هذه المجالس والمجالات. جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أُنَبِّئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قلنا: بلى يارسول الله، قال: الشرك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور». وهم لا يشهدون مجالس اللغو والهذر، فالعمر أمانة في أيديهم، وهم يربؤون بأنفسهم عن أن يضيِّعوا الأمانة الَّتي استودعها الله عندهم إلا بعمل جادٍّ وقول نافع، ولهم من عقيدتهم ومن دعوتهم وتكاليفها ما يجعلهم في شغل شاغل عن سماع ما لا خير فيه.
وعباد الرحمن يفتحون أعينهم وبصائرهم لأنوار الله، ويفتحون آذان أرواحهم لتسمع نداء الله، ويدركون بعمق ووعي أن الله يخاطبهم مباشرة ويعنيهم بشكل خاص بتعاليمه وأوامره. وفي التعبير تعريض بالمشركين الَّذين يَنْكبُّون على آلهتهم وعقائدهم كالصُّم والعميان، لا يسمعون ولا يبصرون، وإذا سمعوا فإنه السمع الَّذي يؤدي إلى الجدل العقيم. إن حركة الانكباب على الوجوه حركةٌ تُصوِّر الغفلة والتعصُّب الأعمى، أمَّا عباد الرحمن فهم يدركون ما في عقيدتهم من حقٍّ، وما في آيات الله من صدق، فيؤمنون إيماناً واعياً بصيراً، لا تعصُّباً أعمى، فإذا ما تحمسوا لعقيدتهم فإنما هي حماسة العارف المدرك البصير.