ويتابع القرآن الكريم بيان صفات عباد الرحمن فيصفهم بالموحِّدين، لأن توحيد الله جلَّ وعلا هو أساس هذه العقيدة، ومفترق الطريق بين الوضوح والاستقامة في الاعتقاد، وبين الغموض والالتواء فيه، فالشرك بالله لا يقوم على أساسه نظام صالح للحياة. ومن صفات الموحِّدين عباد الرحمن الابتعاد عن قتل النفس الَّتي حرَّمها الله إلا بالحقِّ قصاصاً وعدلاً من قبل أولي الأمر، وهذا هو مفترق الطريق بين الحياة الاجتماعية الآمنة المطمئنة الَّتي تُحترم فيها الحياة الإنسانية، ويُقام لها وزن، وبين حياة الغابات والكهوف الَّتي لا يأمن فيها أحد على نفسه، ولا يطمئن إلى عمل أو بناء. كما أن عباد الرحمن يحذرون من الزنا، فلا يقعون فيه، وهذا الحذر هو أوَّل الطريق أمام الحياة النظيفة الَّتي يشعر فيها الإنسان بارتفاعه عن الحسِّ الحيواني البهيمي الساذج، ويحسُّ أن الالتقاء بالجنس الآخر هدف سام نبيل. فهو الخطوة الأولى على طريق بناء الخلية الاجتماعية الإنسانية الرفيعة، لذلك نرى الإسلام أحاط هذا اللقاء بكثير من الأحكام والآداب، الَّتي تكفل ارتقاءه إلى المستوى الإنساني الحضاري النبيل، بعيداً عن التبذُّل الوضيع والدناءة البهيمية. فمن أجل هذه الصفات الثلاث الَّتي تشكِّل مفترق الطريق بين الحياة النظيفة اللائقة بالإنسان الكريم على الله، وبين الحياة الرخيصة الهابطة إلى درك الحيوان، من أجل ذلك ذكرها الله عزَّ وجل في سِمَات عباد الرحمن أرفع الخلق عنده، وأكرمهم عليه، وقد لخَّصها النبي صلى الله عليه وسلم عند مبايعة الصحابة له بعد بيعة النساء بمكة بعد الفتح فقال: «لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس الَّتي حرَّم الله إلا بالحقِّ، ولا تزنوا، ولا تسرقوا» (أخرجه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه )، وقد عقَّب الله تعالى بالتهديد الشديد لمن يقع في المخالفة؛ بأن له عذاباً ليس مضاعفاً فحسب، بل معه الإهانة والإذلال والإهمال من
منهاج حياة · الصفحة ٩٧٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٩٧٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي