وعباد الرحمن هم الخائفون دائماً من عذاب الله، المشفقون من نار جهنم وشدة أُوارها، لذلك فهم يستعيذون بالله من أن يحاسبهم ويعاقبهم، ويرجونه أن يعفو عنهم برحمته وكرمه. وفي هذا مدح لهم ببيان أنهم مع حُسن معاملتهم للخلق، واجتهادهم في عبادة الخالق وحده لا شريك له يخافون عذابه، ويبتهلون إليه ولا يغترُّون بأعمالهم مهما حسنت كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿والَّذين يؤتونَ ما آتَوا وقلوبُهُم وَجِلَةٌ أنَّهم إلى ربِّهم راجعون﴾ (23 المؤمنون آية 60)، ويرتعش نداؤهم ودعاؤهم وهم يتضرَّعون إلى ربِّهم خوفاً وفزعاً: ﴿إنَّ عذابَها كان غَرَاما﴾ أي ملازماً لا يتحوَّل عن صاحبه ولا يفارقه ولا يُقيله، وهذا ما يجعله مروِّعاً، مخيفاً، شنيعاً. وهل أسوأ من جهنم مكاناً يستقر فيه الإنسان ويقيم؟ وأين الاستقرار وهي النَّار، وأين المُقام وهو التقلُّب على لظاها دائماً وأبداً؟.
وعباد الرحمن ينفقون بالقسط والعدل دون إفراط ولا تفريط، وهذه سمة الإسلام الَّتي يحقِّقها في حياة الأفراد والجماعات، ويتَّجه إليها في التربية والتشريع، إذ إنه يقيم بناءه كلَّه على التوازن والاعتدال. ومع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية، فليس المسلم حراً في إنفاق أمواله الخاصَّة بشكل عشوائي ومزاجي دون قيود، بل هو مُقيَّد بالتوسط بين الأمرين الممنوعين الإسراف والتقتير، فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع، والتقتير حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع المجتمع من حوله. فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية، والإسلام وهو ينظِّم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من الفرد نفسه، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان: ﴿والَّذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يَقتروا وكان بين ذلك قَواما﴾، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن من السَّرف أن تأكل كُلَّ ما اشتهيت» (رواه ابن ماجه وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه ).