تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستطرد لقمان في وصيته لينتقل إلى أدب الداعية إلى الله، فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس والتطاول عليهم باسم قيادتهم إلى الخير، ولا تجيز احتقارهم بسبب ارتكابهم للذنوب وعدم حصولهم على الرُقي الإيماني فوراً، فأنين العُصاة من ذنوبهم أحبُّ عند الله من تأوُّهات العاشقين؛ فها هو ينهاه عن تصعير خدِّه؛ والصَّعَرُ داء في العنق لا يُستطاع معه الالتفات، والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصَّعَر، وهي حركة الكِبْر وإمالة الخد للناس في تعالٍ واستكبار. وينهاه عن المشي في الأرض مَرَحاً، والمرح هو المشي في تخايُلٍ وقلَّة مبالاة بالناس، وهي حركة كريهة يمقتها الله لأنها توحي بأن صاحبها يعتقد أنه قد أصبح في مأمن من عذاب الله، أو أنه تجاوز مرحلة ارتكاب الأخطاء، وهذا هو الخطأ بعينه، وهي تعبير عن شعورٍ مريض يجسِّده في مشية الخُيَلاء: ﴿إنَّ الله لا يحبُّ كلَّ مُختالٍ فخور﴾، ومع النهي عن مشية المرح، بيان للمشية المعتدلة القاصدة، والقصد هنا يعني عدم الإسراف، بل التوسُّط وعدم المغالاة في التبختر والتثنِّي والاختيال، واحترام الناس وصيانة مشاعرهم وكراماتهم. والمشية القاصدة إلى هدف كريم لا تتلكَّأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وتصميم وانطلاق. أمَّا الغضُّ من الصوت ففيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث وقوَّته، ولا يُغلظ في الخطاب إلا شاكٌّ في قيمة قوله أو قيمة شخصه، فيحاول أن يُخفي هذا الشكَّ بالحدَّة والغلظة. إن الأسلوب القرآني يزدري هذا الفعل ويقبِّحه في صورة منفِّرة محتَقرَة بشعة، حيث يعقِّب عليه بقوله: ﴿إنَّ أنكرَ الأصواتِ لصوتُ الحمير﴾ فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية مع النفور والاشمئزاز، ولا يكاد ذو الحسِّ السليم يتصوَّر هذا المشهد المضحك من خلال التعبير المبدع، حتَّى يتبين قبح هذا الفعل!! وهذا تأديب من الله تعالى لعباده

منهاج حياة · الصفحة ٩٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٩٦٧