لكنَّ رابطة الوالدين بولدهما ـ على هذه المكانة من الكرامة والرفعة ـ إنما تأتي في ترتيبها بعد وشيجة العقيدة، فمهما بذل والدان ضالاَّن من جهدٍ وجهادِ مغالبةٍ وإقناعٍ، ليغريا ولدهما بأن يشرك بالله، فلا إثم عليه في مخالفتهما، ويسقط عنه واجب الطاعة؛ لتعلو رابطة العقيدة على كلِّ رابطة، ومع ذلك فإن الاختلاف في العقيدة لا يُسقِطُ حقَّ الوالدين في المعاملة الطيِّبة والصحبة الكريمة، وإنَّ كفرهما بالله لا يستدعي ضياع المتاعب الَّتي تحمَّلاها في تربية الولد، بل إن عليه مصاحبتهما في أمور الدنيا، صحبة يرتضيها الله ويقتضيها الكرم والمروءة، بإطعامهما وكسوتهما وعدم مجافاتهما والعناية بهما، لاسيَّما في حالة المرض والشيخوخة. ذكر الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (لما أسلمتُ حلفَتْ أُمِّي لا تأكل شيئاً ولا تشرب شيئاً حتَّى أعود عن إسلامي. فناشدتها أوَّل يوم فأبت وصبرَتْ، فلما كان اليوم الثاني ناشدتها فأبت، فلما كان اليوم الثالث ناشدتها فأبت، فقلت: والله لو كانت لك مائة نَفْسٍ فخرجت نَفْساً نَفْساً ما تركت ديني) ولما رأت هذا التصميم والثبات رضخت للأمر الواقع فأكلت.
منهاج حياة · الصفحة ٩٦٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٩٦٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي