تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي ظلِّ نصيحة الأب لابنه، يتعرض القرآن الكريم للعلاقة بين الوالدين والأولاد في أسلوب رقيق، ويصوِّر هذه العلاقة بصورة مؤثِّرة جذَّابة، فيها رأفة ورحمة وحكمة. ولقد تكررت وصيَّة الولد بوالديه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وكذلك في وصايا الرسول عليه السَّلام، بينما لم ترد وصيَّة الوالدين بالولد إلا قليلاً، لأن الفطرة تدفع الآباء إلى رعاية الجيل الناشئ، لضمان استمرار الحياة كما يريدها الله، وإن الوالدين ليبذلان لأولادهما من أجسامهما وأعصابهما وأعمارهما من غير تأفُّف ولا شكوى، ومن غير انتباه أو شعورٍ بما يبذلان، بل يعطيان في نشاط وسرور ولذَّة كأنهما هما اللذان يأخذان. فالفطرة الإلهية الَّتي فُطِرَ الناسُ عليها، وحدها كفيلة بتوصية الوالدين بالأولاد دون تنصيص عليها، أمَّا الولد فهو الَّذي يحتاج إلى الوصيَّة المتكررة، ليلتفت إلى الجيل المضحِّي المتَّجه نحو مغرب الحياة، بعد أن سكب عصارة روحه وأعصابه للجيل المتَّجه نحو مشرق الحياة، ولا يملك الابن أن يعوِّض الأبوين بعض ما بذلاه إلا برعايتهما وطاعتهما وحسن معاملتهما، وهاهي ذي آيات القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ووصَّينا الإنسان بوالديه حملَتْهُ أمُّهُ وهناً على وهنٍ وفصالُهُ في عامين﴾ ترسم صورة تنبض بالحياة وتُجسِّد بذل الأم الَّذي يبرهن على نبلها وتضحيتها وعطائها، إنها تحتمل النصيب الأوفر، وتجود به في عطف أشد وأعمق وأحنى وأرفق. وفي ظلال تلك الصورة الحانية، يُرتِّب القرآن الواجبات على المكلَّفين فيجيء شكر الله أوَّلاً، ويتلوه شكر الوالدين، ويربط بين هذه الحقيقة وحقيقة الآخرة فيقول سبحانه: ﴿إليَّ المصير﴾ حيث ينفع رصيد الشكر المُدَّخر، وتتلاشى ذكريات الدنيا ومُتَعُها، وتصبح كسراب لا حقيقة له.

منهاج حياة · الصفحة ٩٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٩٦٣