تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخذ كتاب الله يفصِّل بعض صور هذه الاستجابة؛ فقال تعالى: ﴿وأقاموا الصَّلاة﴾ فللصلاة في هذا الدِّين مكانة عظمى، لأنها المرسِّخة والمؤكِّدة للقاعدة الأولى في الإسلام، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله، وهي الصلة بين العبد وربِّه، وهي ترسِّخ مبدأ المساواة بين العباد في الصف الواحد. ومن أشكال الاستجابة لله، الشورى، فالمؤمنون يتشاورون في الأمور كلِّها، ولا يتعجلون ولا يُبرمون أمراً من مهمات الدنيا والدِّين إلا بعد المشورة. وطابع الشورى مِنْ أَوْجَبِ صفات القيادة، والشكل الَّذي تتمُّ به الشورى ليس مصبوباً في قالب حديدي، بل هو متروك للصورة الملائمة لكلِّ بيئة وزمان، ذلك هو التطبيق العملي للاستجابة، يتجلَّى في التكاتف والتشاور والعمل بالرأي الأرشد، ولو كان القائل به أدناهم، وتوحيد الصفوف شكلاً ومضموناً. أخرج الخطيب من رواية مالك عن الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ قال: «قلت يارسول الله! الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يُسمع منك فيه شيء! قال: اجمعوا له العابد من أُمَّتي، واجعلوه بينكم شورى، ولا تقضوه برأي واحد». وأخرج البيهقي في شُعب الإيمان عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أمراً فشاور فيه وقضى اهتدى لأرشد الأمور»، وأخرج عبد بن حميد والبخاري عن الحسن رضي الله عنه قال: (ما تشاور قوم إلا هُدوا وأُرشدوا أمرهم، ثمَّ تلا: ﴿وأَمْرُهُم شُورى بينَهم﴾). والاستجابة لله تكون كذلك بالإنفاق في سبيله، والإحسان إلى خلقه، وقد كان الإنفاق توجيهاً مبكِّراً في حياة المجتمع المسلم، بل إنه وُلد مع مولده، ولابدَّ من الدعوة للإنفاق تطهيراً للقلب من الشح، وتشذيباً لحبِّ التملُّك، وثقة بما عند الله، وهذه كلُّها ضرورية لاستكمال معنى الإيمان.

منهاج حياة · الصفحة ٩٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٩٥١