لَمَّا كانت البشرية بحاجة إلى قيادة رشيدة حكيمة تنقذها من جاهلية الفكر الَّتي ترزح تحت نيرها، والضلالة الَّتي تخوض فيها، وفي الوقت ذاته تأخذ بيدها، وتسدِّد خطاها على الطريق الموصل إلى الله ربِّها وربِّ هذا الوجود كلِّه، أُنزلت هذه الآيات وتكررت، وتكرر معها الترغيب والترهيب، والتعليم والإرشاد، عساها تصيب شغاف القلوب لتهديها إلى صراط مستقيم؛ فجاءت بجُملتها تعرض الصفات الأساسية للمجتمع المسلم. فما هي هذه الصفات وما حقيقتها، وما قيمتها في حياة البشرية جميعها؟ إنها الإيمان والتوكُّل، واجتناب الكبائر، والحلم عند الغضب، والاستجابة لله، وإقامة الصَّلاة، والشورى والإنفاق، والانتصار على البغي، والعفو، والإصلاح، والصبر. وتبدأ الآيات بالتقليل من أهميَّة الدنيا وأموالها، فتشير إلى أن في هذه الأرض متاعاً جذَّاباً براقاً، وفيها أرزاق وأولاد وشهوات، ولذائذ وجاه وسلطان. وهناك نِعَمٌ آتاها الله عباده في الأرض تلطُّفاً منه وهبة خالصة، لا يرتبط المنع منها في هذه الدنيا بمعصية ولا عطاؤها بطاعة، ولكنَّ هذا كلَّه نعيم مؤقت، ومتاع محدود الأجل لا يرفع ولا يخفض، ولا يُعَدُّ بذاته دليل كرامة عند الله أو مهانة، ولا يُعدُّ بذاته علامة رضا من الله أو غضب، إنما هو متاع زائل، فيجب أن لا يعلِّق الإنسان قلبه بشيء زائل، يُنسيه واجبه تجاه ربِّه ونفسه ومجتمعه. وليضع نصب عينيه النعيم الأبدي الخالد، فيسهل عليه الإنفاق والمساعدة بكلِّ رغبة وتسامح، فإن ما عند الله خير وأبقى، خير في ذاته، وأبقى في مدته. فمتاع الدنيا زهيد إذا ما قيس بما عند الله، وهو محدود بالمقارنة مع الفيض المنساب، وهو معدود الأيام، أقصى أمده للفرد؛ عمر الفرد، وأقصى أمده للبشرية؛ عمر هذه البشرية، وهو بالقياس إلى أيام الله غمْضَةُ عين أو أقرب منها، قال تعالى: {ولله غيبُ السَّمواتِ والأرضِ وما أمرُ السَّاعةِ إلاَّ كلَمحِ البصرِ أو هوَ أقرب وهو على
منهاج حياة · الصفحة ٩٥٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٩٥٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي