وممَّا لاشكَّ فيه أن الإيمان بالله يقتضي الإيمان بما أنزله من الكتب، والتصديق بجميع الرسل الَّذين بعثهم لهداية الناس، كما يقتضي وحدة الأصل الَّذي تقوم عليه رسالاتهم ودعواتهم، فكلُّها جاءت من عند الله في صورة مناسبة لحال القوم الَّذين أُرسلت إليهم، حتَّى انتهى الأمر إلى خاتم الأنبياء محمَّد صلى الله عليه وسلم ، فجاء الإسلام بالصورة الأخيرة المتكاملة للدين الواحد، لدعوة الخلق إلى الله حتَّى يوم القيامة. وما أروعها من ومضات تُشِعُّ ببهائها من هذا الدِّين الحنيف، فالمسلمون لا يكمل لهم إيمان، ولا تصح لهم عقيدة حتَّى يؤمنوا بالرسالات السماوية المتقدمة، وبالكتب المقدَّسة السابقة، إيمان من استسلمت جوارحه ومداركه لله ربِّ العالمين، فهم بذلك يُجلُّون جميع الشرائع السماوية، ويوقِّرون الأمم الَّتي اتبعتها واهتدت بها، فضلاً عن إيمانهم بالقرآن الكريم الَّذي حوى خلاصة تعاليمها وروحانيتها، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحقِّ مُصَدِّقاً لما بين يديهِ من الكتاب ومهيمناً عليه..﴾ (5 المائدة آية 48) أي أنزلنا إليك القرآن بالحقائق الثابتة مصدِّقاً لما سبقه من الكتب السماوية، ومتضمِّناً ما تهدف إليه وتسعى لإقراره في المجتمع البشري.
وبعد هذا الإيمان الكامل، والتخلُّق بأخلاق الرسل وصفاتهم، يرتمي قلب المؤمن على أعتاب محبَّة الله بالطاعة والتسليم، ويغمره اليقين بالعودة إليه، فيقدِّم ما يقدر عليه من الطاعات، ويعتذر إلى الله سبحانه عن تقصيره، ويطلب منه الصفح والغفران. لِمَ لا؟ وقد امتلأ قلبه برصيد من الإيمان والهدى والطمأنينة والسعادة واليقين، ذلك الرصيد الَّذي ما خلا قلب إنسان منه؛ إلا اجتاحه القلق وخيَّم عليه الظلام، وغمرته الوساوس والشكوك، واسْتَبَدَّ به الأسى، وتخبَّط في التِّيه والضياع، حتَّى ولو كان منغمساً في الرَّغد المادِّي، وتوافرت له الحرِّية والأمن والسَّلام الظاهري.