ما أشبه هذا الموقف التزكوي الَّذي يزكِّي فيه خالق الكون قلب حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بموقفه الآخر في سورة الكهف، لمَّا سُئل عن قصَّة أصحاب الكهف فقال أجيبكم غداً، ولم يقل إن شاء الله، فجاءته التزكية لنفسه وقلبه صلى الله عليه وسلم بسلوكين مختلفين، فقد أبطأ الوحي عليه ومنع عنه العلم بالإجابة، ليُحرج موقفه فيلتجئ إلى ربِّه، ومن ناحية ثانية عُوتب صلى الله عليه وسلم عتاباً شديداً بقوله تعالى: ﴿ولا تقولَنَّ لشيءٍ إنِّي فاعلٌ ذلك غداً * إلاَّ أن يشاءَ الله واذكر ربَّك إذا نسيتَ وقل عسى أن يَهْديَنِ ربِّي لأقرَب من هذا رَشَداً﴾ (18 الكهف آية 23ـ24). إنها التربية الإلهية المُثلى الَّتي عبَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أدَّبني ربي فأحسن تأديبي» (أخرجه العسكري عن الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ وقال فيه الحافظ ابن حجر: غريب لكن معناه صحيح).
الفصل الرابع:
صفات المؤمنين بالدعوة
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسولُ بما أُنزلَ إليهِ من ربِّهِ والمؤمنونَ كلٌّ آمَنَ بالله وملائكتهِ وكتُبهِ ورسُلهِ لا نُفَرِّقُ بين أحدٍ من رُسُلهِ وقالوا سَمِعنا وأطعنا غُفرانَكَ ربَّنا وإليكَ المصيرُ(285)﴾
ومضات:
ـ إن رسل الله تعالى هم أوَّل من آمن بالرسالات الإلهية الموحى إليهم بها، وهم أكمل العاملين على تطبيقها وإرساء قواعدها، لأنهم بُعثوا متمِّمين لبناء صرح التشريع الإلهي، وقد اتَّبعهم المؤمنون فصدَّقوا برسالاتهم وكتبهم، واقتدوا بهم إيماناً بوحدانية الله تعالى، وبقدرة ملائكته على تنفيذ أوامره، ويقيناً بوحدة مصدر الشرائع السماوية وتماسكها.