إنه درس للدعاة إلى الله ليساووا بين الناس في وجوههم ودعوتهم وألا يستصغروا شأن إنسان ولا يميلوا إلى إكبار شخص حسب مظهره وهيئته، فلا يعلم الإنسان أين الخير، والمعوَّل عليه في القبول عند الله الصدور لا القشور، والحقائق لا الصور والأشكال.
إن المتأمِّل في هذه القصَّة يدرك أن الله سبحانه يقطع بهذا الموقف كلَّ تعلُّق لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغير الله مهما كان هذا التعلُّق ضعيفاً، فالإسلام دين الله الخالد، ولن يتوقَّف انتشاره على أشخاص أو زعماء معينين، رفضوه ووجدوا فيه قيداً يكبِّل أيديهم عن التمادي في غيِّهم وظلمهم وأهوائهم، وما على الرسول إلا البلاغ، فمن استجاب فقد فاز ومن أعرض أو عادى فقد خاب وخسر، وما دور الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر إلا البلاغ المبين كما أوضح ذلك كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿إن أنت إلاَّ نذير﴾ (35 فاطر آية 23) وقوله تعالى: ﴿..وما أنت عليهم بجبَّارٍ فذكِّر بالقرآنِ من يخافُ وعيد﴾ (50 ق آية 45) وقوله عزَّ وجل: ﴿ليس عليك هُداهم ولكنَّ الله يَهدي من يشاء..﴾ (2 البقرة آية 272). ولقد أشفقت عناية السماء على أمين دعوة الإسلام والسَّلام، من تحميله نفسه فوق طاقتها، رغبة في تقديم هدية الله إلى عباده، وحرصاً على قبولهم لها فقال تعالى: ﴿فلعَلَّكَ باخِعٌ نفْسَكَ على آثارِهِم إن لم يؤمنوا بهذا الحديثِ أسَفاً﴾ (18 الكهف آية 6) أي هوِّن عليك فقد كدت تقتل نفسك أسفاً بسبب امتناعهم عن قبول هدية الله ودينه الخالد الَّذي ارتضاه لعباده السعداء.