الَّذي توزن به القيم، بغضِّ النظر عن جميع المظاهر.
إن الأسلوب الَّذي تولَّى به القرآن هذا العتاب الإلهي، أسلوب فريد لا يمكن ترجمته في لغة الكتابة البشرية، جاء على شكل لمسات سريعة وعبارات مقتضبة، وتعبيرات كأنها نبرات ولمحات حية: ﴿عبسَ وتَوَلَّى﴾ هكذا بصيغة الغائب، فالله سبحانه لا يحبُّ أن يوجِّه العتاب المباشر لنبيِّه وحبيبه عطفاً عليه ورحمةً به وإكراماً له. ثمَّ يتحوَّل العتاب من صيغة الغائب إلى صيغة الخطاب: وما يدريك يا محمَّد أن يتطهَّر هذا الأعمى الفقير الَّذي جاءك راغباً فيما عندك من الخير، وأن يتيقَّظ قلبه فيتذكَّر فتنفعه الذِّكرى؟ وما يدريك أن يشرق هذا القلب بقبس من نور الله فيستحيل منارة في الأرض تشعُّ بنور السماء، الأمر الَّذي يتحقَّق كلَّما تفتَّح قلب للهدى، وترسَّخت حقيقة الإيمان فيه، وهو الأمر العظيم الثقيل في ميزان الله؟!
ويستمرُّ التوجيه وترسيخ القيم المثالية بصيغة العتاب... وكيف تنصرف عن المقبِل عليك بقلبه إلى من استغنى بماله وقوَّته عن الإيمان وعن العلوم الَّتي يشتمل عليها الكتاب المنزَّل عليك؟! فأنت تنشغل به وتمنحه جهدك ورعايتك وتحتفل بأمره، وتجهد لهدايته، وتتعرَّض له وهو عنك معرض! وأيُّ حَرَجٍ عليك في إصراره على الإعراض والتكبُّر؟ فما أنت إلا رسول مبلِّغ عن الله، وقد أدَّيتَ ما يجب عليك، فَلِمَ يشتدُّ بك الحرص على إسلامه؟. وأمَّا من جاءك مسرعاً في طلب الهداية والقرب من ربِّه، وهو يخاف الله تعالى، ويتَّقي محارمه، ويحذر الوقوع في الغواية، فأنت تتشاغل عنه وتتلهَّى بالانصراف عنه إلى رؤساء الكفر والضلال. وقد وُصف الانشغال عن الرجل المؤمن بالتلهِّي، وهذا وصف ينطوي على العتاب الشديد المؤلم.