والحقيقة الَّتي استهدف هذا التوجيه إقرارها هي أن يستمدَّ الناس في الأرض قِيَمهم وموازينهم من اعتبارات سماوية إلهية بحتة، آتية لهم من السماء، غير مقيَّدة بملابسات أرضهم، ولا نابعة من تصوُّراتهم المقيَّدة بهذه الملابسات. يجيء الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مشغول بأمر النَّفر من سادة قريش: عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي جهل (عمرو بن هشام)، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة ومعهم العباس ابن عبد المطلب، وهم زعماؤها وكبراؤها، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام، ويرجو بإسلامهم خيراً للإسلام في شدَّته الَّتي كان فيها بمكَّة، وأكثر هؤلاء النَّفر يقفون في طريقه بمالهم وجاههم وقوَّتهم، ويصدُّون الناس عنه، ويوصدون دونه السبل والأبواب، حتَّى ليجمِّدون دعوته في مكَّة ولو ظاهراً، بينما يقف الآخرون خارج مكَّة لا يُقبلون على الدعوة الَّتي يقف في وجهها أقرب الناس إلى صاحبها، وأشدُّهم عصبية له، وذلك في بيئة جاهلية قبلية تجعل لموقف القبيلة كلَّ قيمة وكلَّ اعتبار. فلو أسلم هؤلاء ـ من وجهة نظر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ـ لانزاحت العقبات الكبيرة، ولزالت الأشواك الحادَّة من طريق الدعوة في مكَّة، ولانتشر بعد ذلك الإسلام فيما حولها بإسلام هؤلاء الصناديد الكبار. وفي الوقت نفسه يجيء هذا الأعمى فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يارسول الله، أقرئني وعلِّمني ممَّا علَّمك الله، ويكرِّر، فيكره الرسول مقاطعته لحديثه، وتظهر آثار الامتعاض على وجهه الَّذي لا يراه الرجل، ولكن يراه ربُّ العالمين الَّذي يكره كلَّ العيوب والنقائص، فيعبس صلى الله عليه وسلم ويُعْرِضُ عنه لكي لا يعطِّله عن الأمر الخطير، الَّذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير. وهنا يتنزَّل الوحي الإلهي حاملاً كلمة الفصل، الَّتي تضع بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم الميزان
منهاج حياة · الصفحة ٩٤٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٩٤٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي