والنصُّ عام لا يقتصر على مهاجري مكَّة إلى المدينة فحسب، بل ينطبق على غيرهم في جميع الأزمان، من الكرام المُعْوَزين الَّذين تكتنفهم ظروف تمنعهم من الكسب، كالمرض أو العجز أو الاشتغال بما فيه خير الأمَّة من التعليم والتربية وما إلى ذلك، ثمَّ تأبى عليهم كرامتهم أن يسألوا النَّاس المساعدة والعون، ولكنَّ ذا الحسِّ المُرهف والبصيرة النافذة يدرك ما يستتر وراء تجمُّلهم وتصبُّرهم. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «ليس المسكين الَّذي يطوف على النَّاس تردُّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكنَّ المسكين الَّذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يُفطن له فيُتَصَدَّقُ عليه ولا يقوم فيسأل النَّاس» (رواه البخاري ومسلم). لذلك ينبغي على بيت مال المسلمين أن يكفل لهؤلاء ما يكفيهم ويجنِّبهم الحاجة، وفي الحاجة يقول أحد المؤرخين في تصوُّره للدولة المثالية: [كلُّ مَنْ حَبَسَ نفسه لخدمة المسلمين فكفايته وحاجاته مضمونة في بيت مال المسلمين على الأمَّة].
ثمَّ يُطَمئن الله تعالى أهل الإنفاق بأن أجرهم محفوظ، وأنه ـ جلَّ شأنه ـ مطَّلع على إنفاقهم سرّاً وعلانية، ليلاً ونهاراً. وقد قدَّم الليل على النهار، والسرَّ على العلانية للإشارة إلى فضل صدقة السرِّ على صدقة العلانية، لأن فيها ضمانتين أساسيتين: الأولى أنه لا يلحق بمنفقها غرور، والثانية أنه لا يلحق بآخذها مَنٌّ أو ضررٌ أو أذى، وهؤلاء المنفقون لهم مكافأتهم عند ربِّهم في خزائن فضله لما للصَّدقة من عظيم الثواب. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (متفق عليه).