تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالصَّدقة ليست تفضُّلاً من المانح على الآخذ، بل هي تفضُّل من الله تعالى على المانح والآخذ على السواء، لأنها تفتح للأوَّل الأبواب إلى الجنَّة وتيسِّر للآخر شؤون دنياه، ويجدر بالعباد أن يتعلَّموا من خالقهم كيفية البذل والإحسان، فهو يعطي عباده عطاء كريماً بلا حساب، منزَّهاً عن المنِّ والأذى؛ فإن اقتدى المؤمنون بذلك أصبحوا يمثِّلون الوجه المشرق للمنفقين، والصورة البيضاء الناصعة للمحسنين؛ لأنهم تَبنَّوا القِيم العليا عن عقيدة إيمانية ثابتة، ثمَّ ترجموها إلى عمل مبرمج وموجَّه في أوجه البرِّ والإحسان، سمت منهم المشاعر، وتطهَّرت القلوب، فأنفقوا أموالهم في سبيل الله، تزكية لأنفسهم وتمكيناً لها في مراتب الإيمان والإحسان، فغدا البذل طبعاً فيهم، يُنقِّيهم من الشوائب الَّتي تعوقهم عن الكمال. ومَثلُ أحدهم في الكرم والعطاء الخالص لوجه الله؛ كمَثلِ الجنَّة الخصبة، العميقة التربة، تقوم على مكان مرتفع، فإذا نزل عليها المطر الغزير أحياها وأخصبها ونَمَّى زرعها. وكذلك هي الصَّدقة تُحيي قلب المؤمن فيزكو ويزداد صلة بالله، كما يزكو ماله ويُضاعف بقدر ما يشاء الله له. وإذا أصاب هذه الجنَّة مطر خفيف فإنه يكفيها لأن التربة جيدة، خصبة، كريمة العطاء، حسنة الموقع، وهكذا هو الإنسان الجواد، إن أصابه خيرٌ كثيرٌ أغدق ووسَّع في الإنفاق، وإن أصابه خيرٌ قليلٌ أنفق بقدر ما أصابه، فخيره دائم وبِرُّه ـ وإن قلَّ ـ لا ينقطع. ورد عن الإمام علي بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ـ أنَّه قال: (إنَّ الصَّدقة إذا خرجت من يد صاحبها وقبل أن تدخل في يد السائل تتكلَّم بخمس كلمات أولاها تقول كنت قليلة فكثَّرتَني، وكنت صغيرة فكبَّرتني، وكنت عدواً فأحببتني، وكنت فانية فأبقيتني، وكنت محروسة والآن صرت حارسك).

منهاج حياة · الصفحة ٨٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٨٦٤