تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان التوجيه القرآني من خلال الآيات الكريمة حريصاً على تسديد سلوك المؤمنين في الإنفاق بأسلوب رمزي غير مباشر؛ فضرب الله لنا فيها المثل بنموذجين متغايرين من المتصدِّقين والمنفقين، يشتركان معاً في صفة الإنفاق من حيث الصورة، إلا أنهما يختلفان من حيث المقدِّمة والنتيجة؛ فالمقدِّمة هي النيَّة الَّتي تكون خالصة لله عند أحد الطرفين، ومشوبةً عند الطرف الآخر، وحسب هذا الاختلاف بين المقدِّمتين تختلف النتيجة عند الله، فمن صحَّت نيَّته كانت نتيجة إنفاقه إيجابية فيُقْبَلُ عمله ويُثاب عليه، أمَّا من فسدت نيَّته فستكون نتيجة إنفاقه سلبية فيُحْبَطُ عمله، ويُحْرَمُ الأجر والثواب.

فمثل الَّذين يبطلون صدقاتهم بالمنِّ والأذى كمَثَل المرائي الَّذي يُظهر أنه يريد وجه الله فيما يفعل، وإنما قصدُه مدح النَّاس له، وذكرهم له بالخير مع غفلته عن معاملة الله تعالى، وابتغاء رضوانه، وجزيل ثوابه، ولهذا وَصَفتهُ الآية بأنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. ومثل هذا المرائي كمثل الحجر الأملس المغطَّى بشيء من التراب، يظنُّه المرء أرضاً طيِّبة منبتة، فإذا أصابه مطر شديد ذهب عنه التراب فإذا به صَلْدٌ عقيم ليس عليه شيء حتَّى الغبار، كذلك هو حال المنافق يظنُّ النَّاس أن له أعمالاً صالحة، فإذا كان يوم القيامة، انكشفت حقيقة أعماله واضمحلَّت واندثرت فلا يجد لها ثواباً. قال عليه الصلاة والسَّلام: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا يارسول الله وما الشرك الأصغر قال: الرياء، يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الَّذين كنتم تراؤون لهم فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً» (رواه الإمام أحمد بإسناد جيد وابن أبي الدنيا والبيهقي مرفوعاً).

منهاج حياة · الصفحة ٨٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٨٦٢