تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله تعالى الرحيم بعباده لم يرتضِ لهم هذا المآل فأرشدهم إلى طريق الخلاص من الشُّحِّ وآثاره، ولهذا نجد أن الآيات الَّتي تحثُّ على الإنفاق في كتاب الله العزيز كثيرة جداً. فالمال مال الله، والإنسان مُستخلَفٌ فيه، لا يجوز له أن ينفقه إلا فيما أباح الله، ولله ميراث السموات والأرض، والمال سيؤول إليه في النهاية ضمن هذا الميراث، فما الَّذي يعيق النَّاس عن الإنفاق في سبيله حين يدعوهم إلى ذلك؟. إن الآيات الكريمة الَّتي نحن بصددها توضح أفضلية الإنفاق وأولويته، وترشد المؤمن متى ينفق، وأين ينفق، وكيف يحسب جدوى الإنفاق، والعائد من هذا الإنفاق. وتُبَيِّن كذلك أنَّ مَنْ يُنفِقُ وهو في ضيق وفي وقت الحاجة الماسَّة أفضل ممَّن ينفق عن سعة أو في وقت الرخاء، وفي كلٍّ خير. وقد بذلت النُّخبة المصطفاة من المهاجرين والأنصار وُسعها من النفس والمال في ساعة العسرة ـ قبل فتح مكة ـ حين كان الإسلام غريباً مُحاصَراً من كلِّ جانب، فكان هذا البذل خالصاً لا تشوبه شائبة من طمع أو رياء، وعلى الرغم من أن ما بذلوه من ناحية الكمِّ كان قليلاً بالقياس إلى مَنْ أنفق من بعد الفتح، فإن القرآن الكريم الَّذي يَزِنُ الأمور بميزان الحقِّ، يقرِّر أن الكمَّ ليس هو الراجح في ميزان الله، بل الراجح هو الباعث على الانفاق وما يمثِّله من حقيقة الإيمان؛ فالَّذين آمنوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم وأنفقوا في سبيل نشر دعوته، وهو لم يزل بعد في بداية أمره ـ ودَعوَتُه ما زالت في مهدها ضعيفة الوسائل ـ خيرٌ من أولئك الَّذين آمنوا به وأنفقوا في سبيل دعوته بعد أن أصبحت ذات سطوة ومنعة. فبينما حمل الأوَّلون الدعوة على كواهلهم، حتَّى وصلت إلى ما وصلت إليه، دون أن يعلموا ما الَّذي كانت تخبِّئه لهم الأقدار، دخل المتأخرون في الإسلام منتفعين به بعد أن عرفوا وأدركوا النصر الَّذي حقَّقه بالفتح. فالَّذي ينفق والعقيدة مطاردة، والأنصار قلَّة، وليس في

منهاج حياة · الصفحة ٨٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٨٥٠