تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ناحية أخرى فإن الَّذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله يبخلون بما لا يملكونه فعلاً؛ لأنهم جاؤوا إلى هذه الحياة لا يملكون شيئاً، فمنَّ الله عليهم وأغناهم، حتَّى إذا طلب إليهم أن ينفقوا بعضاً ممَّا أعطاهم بخِلوا ونَسُوا فضله عليهم، وحسِبوا أن في كنزه خيراً لهم، وهو شرٌّ كبير لهم، ينعكس على حياتهم الخاصَّة وترابطهم العائلي والاجتماعي. إن حبس المال عن المحتاجين يؤدِّي إلى فساد بُنية المجتمع وظهور تيَّارات يتبنَّاها أناس آذاهم الفقر وأَقَضَّ مضجعهم الجوع، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الشحَّ فإن الشحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلُّوا محارمهم» (رواه مسلم) وهم بعد ذلك كلِّه ذاهبون وقد خلَّفوه وراءهم، والله وحده هو الوارث الحقيقي للكون كلِّه ﴿ولله ميراث السموات والأرض﴾.

ولعلَّ وِقفة تأمُّلٍ لمصير ما نملك ومآله إلى غيرنا من بعدنا، ومن ثمَّ ميراث الله تعالى للأرض وما عليها، يعطينا الباعث لأن نعيد حساباتنا ونفكر بمدَّخراتنا للرحلة الأبدية، فكلُّ ما ننفقه اليوم في سبيل الله يُدَّخر لنا مضاعفاً لدى المصارف الإلهية، وأمَّا ما ننفقه في سبيل ملذَّاتنا الدنيوية فهو ذاهب إلى العدم، وكلُّ ما نكنزه ونحجبه عن مساعدة النَّاس وإسعاد المؤمنين، سينقلب إلى طوق يُشدُّ حول أعناقنا ويضيِّق عليها الخناق، ويذيقنا العذاب الَّذي لا يطاق. فما حَرِصنا عليه في الحياة الدنيا وبخلنا به وعشنا في همِّ الاستزادة منه وقلقنا في سبيل المحافظة عليه، يتحوَّل إلى أثقال تَرزحُ كواهلُنا تحتها في الدار الآخرة، ليصبح كلُّ مكسب حصلنا عليه في رحلة الحياة القصيرة هذه همّاً في الحياة وهمّاً بعد الممات.

منهاج حياة · الصفحة ٨٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٨٤٩