وتبدأ القصَّة بوصف مظاهر الازدهار والثَّراء، فالدنيا مقبلة، والنعمة موفورة يملكها رجل أفاء الله عليه من خيره لعلَّه يتذكَّر ويشكر. امتلك جنَّتين ارتفعت فيهما الكروم وسمقت، وتدلَّت عناقيدها كحبَّات الياقوت تسرُّ الناظرين، وتُسيل لعاب الجائعين، ومن وراء الكروم ضربت أشجار النخيل طوقاً حولها، وكأنها حارس أمين يحميها من أنظار المتطفلين، وتحت الكروم والنخيل امتدَّت النباتات تغطِّي الأرض بخضرة زُمرديَّة مبهجة للنفس، منبِّهة للحسِّ، جالبة للفرح، وبين الثمار والأشجار شَقَّ الماء مجراه على شكل نهر متموِّج يفيض بالخير على المزروعات، ويوقد فيها شعلة الحياة. كلتا الجنَّتين طرحتا محصولهما في الوقت المحدَّد دون أيِّ نقص، وعهدُنا بالأشجار أنها تعطي عاماً وتقصِّر عاماً، ولكنَّ استدراج الله لهذا المتكبِّر جعله يستوفي محصوله كاملاً عاماً بعد عام. ولمَّا التقى بصاحبه الفقير الَّذي أخذ يذكِّره بنعم الله عليه، استعلى وتكبَّر، وكان بينهما حوار يتَّسم بالغرور والجحود بنعم الله؛ من جهة صاحب المال، حيث قال وقد صَعَّر خدَّه: أنا أفضل منك بكثير، فمالي وفير ورهطي كبير، أمَّا أنت فقد أتلفت مالك في الإنفاق على الناس، فأين هؤلاء الَّذين تصدقت عليهم؟ هل يقدِّمون لك معونة في محنتك؟. ثمَّ أخذ بيد صاحبه باستعلاء وبدأ يجول به في أنحاء جنَّتيه، ونفسه قد ركبت مركب الغرور حتَّى كادت تطير؛ وقال: انظر إلى هذا النعيم هل من الممكن أن يزول؟ وما لي أراك تحدِّثني عن الآخرة، وعن قيام السَّاعة والحساب؟ إنني أستبعد هذا الأمر، وهل معك دليل على صدقك؟ ولنفرض أن هذا حدث، وأنني رجعت إلى ربِّي، هل تظنُّ أنه سيحرمني بعد أن ملكت كلَّ هذا في الدنيا؟ لا بل إنه سيعطيني بدل الجنَّة جنَّات، وما الحياة الدنيا إلا عنوان للآخرة المزعومة. قال العبد المؤمن محاوراً متأنِّياً علَّه يحرِّك ولو قليلاً من الإيمان في قلب صاحبه: هل نسيت الخالق
منهاج حياة · الصفحة ٥٥٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٥٥٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي