وبعد وضع حجر الأساس في بناء صرح الإيمان، يتصل الحوار بين الله ورسوله، فيسأله تعالى سؤال العالم الخبير عن تلك العصا الَّتي يحملها، وعن فائدتها؟. والغرض من السؤال هو أن يبيِّن له أنه سيجعل لتلك الخشبة ـ الَّتي ليس لها خطر كبير ولا منفعة عظيمة ـ جليل المزايا والفوائد الَّتي لا تخطر على بال، كانقلابها إلى حيَّة تسعى، وضرب البحر بها حتَّى ينفلق، وضرب الحجر لتتفجَّر منه اثنتا عشرة عيناً من الماء العذب كما حدث في مشاهد أخرى، ولينبِّهه إلى أن من كمال قدرته وبالغ عظمته، أنه يجعل من مثل هذه العصا، معجزات وأعاجيب فوق كلِّ تصوُّر وعلم بشري. فأجابه موسى عليه السَّلام الجواب المستفيض معدِّداً ما لها من فوائد ومزايا: ﴿قال هي عصايَ أتوكَّؤ عليها﴾ أي أعتمد عليها إذا مشيت أو تعبت، أو وقفت على رأس القطيع من الغنم، ﴿وأَهُشُّ بها على غَنمي﴾ أي أضرب ورق الشجر بها ليسقط على غنمي فتأكله، ولي فيها مصالح ومنافع أخرى غير ذلك كحمل الزاد، وطرد السباع عن الغنم، وإذا شئت ألقيتها على عاتقي، فعلَّقت بها قوسي وكنانتي وثوبي، وإذا أردت ماءً قصَّر عنه رشائي وصلته بها. فلما انتهى موسى عليه السَّلام من إجابته، جاءه الأمر الإلهيُّ، الَّذي سيكشف الله به لنبيِّه عن آية الإعجاز في تلك العصا، فقال له: ﴿ألقِها ياموسى﴾ فألقاها فدبَّت فيها قوَّة الحياة، وإذا هي حيَّة تسعى، وكم من ملايين الذرَّات الميتة تتحول في كلِّ لحظة إلى خليَّة حيَّة، لكنَّها لا تبهر الإنسان كما يبهره أن تتحوَّل عصا موسى عليه السَّلام حيَّة تسعى! ذلك لأن الإنسان أسير حواسِّه، وأسير تجاربه، فلا يخرج في تصوُّراته بعيداً عمَّا تدركه حواسُّه. وانقلاب العصا حيَّة تسعى، ظاهرة حسيَّة، تصدم حسَّه فينتبه لها بشدَّة، أمَّا الظواهر الأولى لمعجزة الحياة، الَّتي تدبُّ في كلِّ لحظة، فهي خفيَّة قلَّما يُلْتَفت إليها، وخاصَّة أن الألفة تُفقدها جدَّتها، فيمرُّ
منهاج حياة · الصفحة ١٨٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٨٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي