ويستطرد القرآن الكريم في عرض دلائل القدرة، وتيسير فهم قضية الخلق وإعادة بعث البشر أجمعين، فالله قد خلق السموات والأرض، ذلك الخلق العجيب، الهائل الدقيق، وليست الأرض الَّتي نعيش عليها، ويشاركنا عليها ملايين الأجناس والأنواع، ثمَّ لا نبلغ نحن شيئاً من حجمها، ولا شيئاً من حقيقتها، ولا نعلم عنها حتَّى اليوم إلا القليل؛ هذه الأرض ليست إلا تابعاً صغيراً للشمس، وأين خَلْقُ الإنسان من ذلك الخَلْقِ العظيم؟ قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمواتِ والأرضِ أكبَرُ من خلْقِ النَّاس ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعْلَمْون﴾ (40 غافر آية 57). إن الله جلَّ وعلا يخلق هذا وذاك، ويخلق غيرهما بلا كُلفة ولا جُهد، ولا يختلف بالنسبة إليه خلق الكبير وخلق الصغير!! فالخلائق كلُّها سواءٌ أمام كلمته كن فيكون، وإن توجُّهَ إرادته لخلق الشيء، كافٍ وحده لوجوده، كائناً ما يكون، وإنما يُقرِّب الله للبشر الأمور ليدركوها بمقياسهم البشري المحدود.
وعند هذا المقطع من السورة يجيء الإيقاع الأخير، الإيقاع المصوِّر لحقيقة العلاقة بين الوجود وخالق الوجود، إنها الملكيَّة المطلقة لله، وعبوديَّة الخلائق جميعها له، وقد استعملت الآية كلمة ـ ملكوت ـ لتضخِّم وتعظِّم حقيقة هذه العلاقة، علاقة الملكية القابضة على زمام كلِّ شيء في هذا الوجود.