تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا تظهر روعة الإسلام في فتح باب الحوار العقلاني، حتَّى مع أعدائه ومنتقديه، فلم تنزل الآيات لتكيل للسَّائل الشَّتائم، ولا انبرى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لإهانته والشِّجار معه؛ بل اتَّبع أسلوب الدعوة الحكيم، الَّذي يجب أن يتحلَّى به كلُّ مؤمن فاضل، يدعو الناس لما فيه سعادتهم، وإنقاذهم من الجهل والتخلُّف. فقد جاء الجواب غايةً في البساطة، وغاية في الدِّقة ووضوح الحجَّة، فالَّذي قَدَر على الخَلْقِ الأوَّل، قادر على الإعادة. وهل تزيد النطفة حيويَّة أو قدرة، أو قيمة على العظم الرميم المفتوت؟ أَوَ ليس من تلك النطفة المهينة خُلق الإنسان؟ أَوَ ليس الَّذي حوَّل تلك النطفة إنساناً، قادراً على أن يحوِّل العظم الرميم مخلوقاً حيّاً من جديد؟. إن الأمر أيسر وأوضح من أن يثار حوله شكٌّ أو ريبة، فلماذا يتكرَّر الجدل دون جدوى؟؟ إنه الله العليم الَّذي يخلق ويُبدع، فهل يصعب عليه بَعْثُ الأجساد بعد الفناء؟. ويضرب الله مثلاً لهذا الإنسان المغرور، الَّذي تنكَّر لخالقه، واغترَّ بقوَّته، واعتزَّ بسلطانه، هذا المثل موجود في كلِّ بيئة وفي كلِّ زمان، يمرُّ به الإنسان مروراً عابراً، دون طول تفكير، لأنه في حكم المسلَّمات، وهو الشجر الأخضر الريَّان بالماء يصير مُولِّداً للنار أو وقوداً لها، فمن ذا الَّذي أودع الشجرَ خصائصه هذه، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، غير الله؟. غير أننا لا نرى الأشياء بهذه العين المفتوحة ولا نتدبَّرها بذلك الحسِّ الواعي، فلا تكشف لنا عن أسرارها العجيبة، ولا تدلُّنا على مبدع الوجود، ولو فتحنا لها قلوبنا لباحت لنا بأسرارها، ولعشنا معها في عبادة دائمة، وتسبيح مستمرٍّ، لحضرة الله جلَّت قدرته.

منهاج حياة · الصفحة ١٣٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ١٣٦٦