ونعوذ بالله تعالى من شرِّ النفَّاثات في العقد: وهنَّ السواحر الساعيات بالأذى، عن طريق خداع الحواس، والإيحاء إلى النفوس والتأثير على المشاعر، وهُنَّ يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل، وينفثْنَ فيها كتقليد من تقاليد السِّحر والإيحاء. والسحر لا يغيِّر من طبيعة الأشياء، ولا ينشئ حقيقة جديدة لها، ولكنَّه يُخيِّل للحواسِّ والمشاعر بما يريده الساحر. وهذا هو السحر كما صوَّره القرآن الكريم في قصَّة موسى عليه السَّلام: ﴿قالوا ياموسى إمَّا أن تُلْقيَ وإمَّا أن نكونَ أوَّلَ من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالُهُم وعِصِيُّهُم يُخَيَّلُ إليه من سِحْرِهِم أنَّها تسعى * فأوجَسَ في نفْسهِ خيفَةً موسى * قلنا لا تخفْ إنَّك أنتَ الأعلى * وألقِ ما في يمينِكِ تَلْقَفْ ما صنَعوا إنَّ ما صنَعوا كيدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حيث أتى * فألقي السَحَرَةُ سُجَّداً قالوا آمنَّا بربِّ هارونَ وموسى﴾ (20 طه آية 65ـ70) وهكذا لم تنقلب حبالهم حيَّات فعلاً، ولكن خُيِّل للنَّاس ولموسى معهم، أنها تسعى، إلى حدِّ أَنْ أوجس في نفسه خيفة، حتَّى جاءه التثبيت من الله، ثمَّ انكشفت الحقيقة، حين انقلبت عصا موسى بإذن الله حيَّة حقيقية، فلقفت الحبال والعِصِيَّ المزوَّرة المسحورة وابتلعتها، وهذه هي طبيعة السِّحر كما ينبغي لنا أن نسلِّم بها. وربَّما يراد بالنفَّاثات الَّذين ينفثون سموم الكراهية بين الناس بالنميمة والغيبة ويقطعون روابط المحبَّة، ويبدِّدون شمل المودَّة، وقد شُبِّه عملهم بالنفث، وشُبِّهت رابطة الوداد بالعقدة. فالنميمة تحوِّل ما بين الصديقين، من محبَّة إلى عداوة، بالوسائل الخفيَّة، الَّتي تشبه أن تكون ضرباً من السِّحر، ويصعب الاحتياط والتحفُّظ منها، فالنمَّام يأتي لك بكلام يشبه الصدق، فيصعب عليك تكذيبه.
منهاج حياة · الصفحة ١٣٦٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٣٦٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي